كل من لديه فطنة، وكل من يمتلك حسّاً سياسياً سليماً، وكل من كان قد تعب على نفسه، وبذل مجهوداً حقيقياً في دراسة التاريخ المعاصر للشعب الفلسطيني من زاوية الإرث الكفاحي على الأقل كان يدرك ويؤمن بأن هذا الشعب هو صانع المعجزات مهما كانت ظروفه ومهما كانت العقبات التي تقف في طريقه.

هذا شعب لا يستكين، ولديه حسّ باستشعار الخطر يفوق كل التوقعات، وفي اللحظات المصيرية يسمو على كل جراحاته، ويترفع فوق هفوات وأخطاء قياداته، ويرتفع إلى مستوى التحدي بصورة تبعث على أعلى درجات العزة والمجد.

ولكي لا ننسى، فقد تناوب الشعب الفلسطيني في المراحل الحساسة وفي المفاصل التاريخية الخطرة والحاسمة على حماية الوطنية الفلسطينية، وحماية هوية الشعب وكينونته وحقوقه وأهدافه في عملية وطنية هي في واقع الأمر حالة إعجاز، وملحمة أسطورية تتفوق على كل أساطير التاريخ الذي نعرفه.

تحمّل الشتات الفلسطيني في مراحل معينة هذه المسؤولية الوطنية، ثم تحمّل القطاع القسط الأكبر من هذه المسؤولية في انبعاث الهوية الوطنية، ثم بتقدم مسار الكفاح الوطني وعاد وتحمل عبء هذا الكفاح في مرحلة رسم خرائط الإقليم، وكسر كل معادلات إخراج الشعب الفلسطيني من تاريخ وجغرافيا الإقليم، وتحملت الضفة في الانتفاضة الوطنية الكبرى قسطاً وفيراً من إعادة فرض فلسطين على الواقع العربي والدولي عندما وجدت القيادة الفلسطينية وقد تم التخلي عنها أنها مرفوضة، وأصبحت غير مرغوب بها من الواقع العربي، إلى درجة أن العرب آنذاك رفعوا شعار «ليَقلَع كل واحد شوكه بيديه»، وهو نفس الشعار الذي تغطت به الإبراهيمية السياسية الجديدة.

وفي هذا السياق كله، كان الداخل الفلسطيني يعيد بناء ذاته الوطنية في ظروف هي أقرب إلى المستحيل، وظل ينحت الصخر حتى وصل اليوم إلى أكبر عملية سياسية وطنية من ارتقاء الوعي، ومن نهوض غير مسبوق في بناء الذات الوطنية، وبما فاق كل التوقعات، وتفوق على الجميع في معجزة فلسطينية جديدة للدفاع عن هذا الذات، ولدرء الأخطار التي تعصف بالشعب الفلسطيني كله.

هذه ليست مجرد زيادة كبيرة في نسبة التصويت، وليست مجرد اندفاعة طارئة، وإنما هي ثورة سياسية من طراز رفيع، وانتفاضة وطنية مكتملة الأوصاف والأركان، لأنها حوّلت شعبنا في الداخل للمرة الأولى بهذه القوة والاقتدار إلى قوة سياسية مؤثرة وليست متأثرة، وإلى حالة وطنية لم يعد بمقدور دولة الاحتلال، ولا حتى المشروع الصهيوني برمّته تجاوزها أو تهميشها، أو التغافل عن مكانتها ودورها.

ولذلك، وبصرف النظر عن ملابسات اللحظة السياسية حول الحكومة التي ستتولى مقاليد الحكم، وحول تعقيدات تشكيل أي حكومة قادمة، بدءاً من التكليف، ومروراً بالتشكيل نفسه، وصولاً إلى درجة استقرار هذه الحكومة، فإن الثابت والمستقر الوحيد هو أنه لا حكومة دون دعم الأصوات العربية في حال أن كُلفت المعارضة بتشكيل الحكومة، ولا مجال أمام تحالف نتنياهو أن يشكل هذه الحكومة دون أن يعتمد على ستة أو سبعة أصوات من خارج هذا الائتلاف، هذا إذا افترضنا أن كل مكونات هذا الائتلاف بقيت متماسكة وبقيت متمسّكة ولم تنفض من حول نتنياهو، خصوصاً الأحزاب الحريدية.

بصرف النظر عن كل هذه العملية المركّبة، والتي تعج بالألغام والمطبات، وبكل وسائل وأساليب الابتزاز والابتزاز المضاد، فإن الوضع لن يفضي إلى أي استقرار من أي نوع كان إلا بدعم الصوت العربي، بصرف النظر عن شكل هذا الدعم في حال تنازل آيزنكوت عن شرطه بعدم الاعتماد على الصوت العربي. وفي حال قبلت مكونات المعارضة التنازل عن نفس الشرط، خصوصاً بينيت وليبرمان، لأن يائير غولان يتمنى ويدعو للتعاون مع القوائم العربية لإسقاط حكومة نتنياهو، مرة وإلى غير رجعة.

ومن هذه الزاوية على الأقل لم يعد الصوت العربي مجرد صوت مؤثر ومهم، وإنما الحل الوحيد أمام المعارضة.

أما إذا رفض آيزنكوت التعاون مع القوائم العربية، هو أو أي حليف من تحالف المعارضة، فإنه يغامر بكامل ما حققه حتى الآن، وسيذهب إلى خيارات ستفقده المبرر الوحيد لوجوده والمبرر الوحيد للأصوات التي حصل عليها.

الصراع بين المعارضة عنوانه الأساس هو هوية الدولة، والنظام السياسي، والانقلاب القضائي الذي قام به الائتلاف، والخراب الذي أحدثه نتنياهو في بنية الدولة والمجتمع، والموقف من التحقيق الرسمي في السابع من أكتوبر.

إذا تخلى آيزنكوت عن هذه العناوين، يكون قد أقدم على انتحار سياسي مُعلن، ويكون مجرد ملحق بالسياسات اليمينية المتطرفة، ولن يشكل في نظر من انتخبوه سوى نسخة مشوهة عن التجربة الخرقاء لسلفه بالسقوط بيني غانتس .

وحتى لو تنازل نتنياهو عن حلفائه، خصوصاً بن غفير وسموتريتش، وقبِل بإقامة حكومة وحدة وطنية، وقبل آيزنكوت بأن يتولى نتنياهو المرحلة الأولى من عمر ولاية الحكومة، فإنه سيكون قد أقدم على الانتحار السياسي نفسه مهما حاول التغطية على مثل هذا السقوط. ليس فقط بسبب أن نتنياهو سيحاول جر الدولة إلى دهاليز الحروب ودهاليز الالتفاف على كل صغيرة وكبيرة، وإنما بسبب أن الولايات المتحدة التي تحاول أن تقيم مثل هذه الحكومة لن تلتزم بأي وعود يمكن أن يتعهد بها الرئيس ترامب.

ولهذا فإن الضمانة الوحيدة لكي لا تكون مثل هذه الحكومة بمثابة المقصلة التي ستوضع على رقبة المعارضة هي أن تكون هذه الحكومة دون وجود نتنياهو، لا على رأسها، ولا كمشارك فيها، وأن تكون شروط إلغاء كل قوانين الانقلاب القضائي هي الشروط الأساسية لإقامة مثل هذه الحكومة، هنا لن يقبل نتنياهو ولن يتنازل.

ومن هنا فإما التعاون مع القوائم العربية، أو الانتحار السياسي لمن يكابر، ولمن يرفض التعاون مع هذه القوائم العربية.

أما إذا قبِل الليكود باستبعاد نتنياهو والتنحي مقابل العفو والخروج من الحياة السياسية، وهو أمر أقرب إلى المستحيل في هذه المرحلة، فإن حرباً ضروساً ستشتعل داخل الليكود، وداخل الائتلاف وبين مكونات الائتلاف، وعلى هوامشه، وفي كل مكان.

ماذا يعني هذا؟

ذلك يعني أن ترامب نفسه بات في ورطة كبيرة، فهو سيخسر كل شيء إذا فشل الائتلاف في تشكيل الحكومة، وهو سيخسر نتنياهو إذا قبل الليكود تنحي نتنياهو.

وهكذا فإن القوائم العربية ليست بيضة قبان كما كان يُعتقد، وإنما هي القوائم التي عليها، وعلى المواقف منها، وعلى ما تراه هي من مواقف وقرارات سيعتمد الوضع الإسرائيلي كله.

ولهذا فإن الإعجاز والإنجاز الفلسطيني في هذه الانتخابات هو فعلاً بمثابة ثورة سياسية أطاحت باليمين الفاشي، وحشرت المعارضة الصهيونية في أضيق زاوية خانقة.

ومع هذا كله فليس هذا هو المهم، لأن فلسطين خرجت من معركة الانتخابات الرابح الأكبر وربما الوحيد، لأن الباقي هم إما الخاسرون، أو في وضع لا يُحسدون عليه إذا رغبوا بعدم الخسارة، واختاروا طريق أقل الخسائر.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد