قد تعرف امرأة في غزة أين كان بيتها بالضبط، وعدد درجاته، وما كانت تراه من نافذته، لكنها تجد نفسها الآن عاجزة عن إثبات حقها فيه. الأوراق ضاعت، والزوج الذي سُجّلت الملكية باسمه استشهد، وربما استشهد معه بعض الورثة، فيما بقي آخرون تحت الركام. تعرف أن هذا بيتها، لكن كيف تحمي حقها فيه، وحق أطفالها، بعدما تغيّر كل ما كانت تستند إليه حياتهم؟
هذا السؤال يستدعي تحركاً فلسطينياً عاجلاً، يبدأ بوقف مؤقت لبيع الأراضي والعقارات في غزة، بالتوازي مع تسهيل إثبات الحقوق وتحديث سجلاتها. فالناس الذين يكافحون لتأمين الطعام والمأوى والعلاج لا يملكون القدرة على متابعة معاملاتهم، أو حماية حصصهم، أو التحقق ممن يعرض شراء أرضهم ولحساب من.
في الحديث عن إعمار غزة، تتقدم أسئلة التمويل وإزالة الركام وبناء المساكن. لكن قبل أن يُرسم حي جديد، ينبغي أن نعرف كيف ستُحفظ حقوق من كانوا يعيشون فيه: من يملك الأرض؟ من ورث أصحابها؟ من لا يزال مفقوداً؟ ومن كان يسكن البيت مستأجراً؟ فالإجابة تحدد من يستطيع العودة، وأين، وبأي شروط. وتقدّر تقارير أممية أن نحو ٩٢% من الوحدات السكنية دُمّرت أو تضررت حتى تشرين الأول ٢٠٢٥. ومن هنا، فإن معالجة حقوق السكن والأرض والملكية يجب أن تكون جزءاً أساسياً من التحضير للإعمار وتنفيذه.
لدينا سجلات للأراضي، وهذه نقطة ارتكاز أساسية. وقد أكدت سلطة الأراضي في رام الله ، في بيان صدر في الأول من تموز ٢٠٢٦، احتفاظها بنسخ رسمية وكاملة من سجلات الأراضي الخاصة والعامة في قطاع غزة. لكن السجل الذي يحفظ اسم المالك لا يعكس وحده ما أصاب عائلته خلال الإبادة الإسرائيلية: فقد يكون صاحبه استشهد، واستشهد بعض أبنائه، وتوزع الناجون بين النزوح والعلاج خارج القطاع، فيما لم يُعرف مصير آخرين. حفظ السجلات يحمي أصل الحق؛ أما تمكين الناس من ممارسته فيحتاج إلى عمل يبدأ الآن.
بالنسبة إلى امرأة فقدت زوجها، قد يبدو استكمال حصر الإرث وتسجيل حصتها وحصص أطفالها أمراً بعيد المنال، وهي لا تعرف أين ستنام أسرتها في الأسبوع المقبل. وقد تكون أمّاً أو ابنة أو أختاً لها نصيب في تركة، لكنها لا تملك الوثائق أو المال أو القدرة على الوصول إلى الجهات المختصة. لا ينبغي أن يصبح حقها متاحاً فقط إذا وجدت من يتابع عنها، أو إذا وافقت على التنازل عن بعضه مقابل المساعدة.
لذلك، يجب أن تصل الخدمات القانونية إلى الناس حيث هم، وأن تُيسّر إجراءات إثبات الوفاة وحصر الإرث وتسجيل الحقوق، مع حماية خاصة لحصص الأطفال والنساء والغائبين، خصوصاً حين تُقتل أجيال من العائلة نفسها ويصعب تحديد تسلسل الوفيات ومن يرث من. لا يجوز أن تحسم القدرة على الوصول إلى الدائرة، أو الاحتفاظ بورقة، نصيب إنسان في بيت عائلته.
وتزداد المسألة إيلاماً حين يكون صاحب العقار مفقوداً. كيف تتصرف أسرة لا تعرف إن كان ابنها تحت الركام، أو معتقلاً، أو مدفوناً من دون اسم؟ وتقر وزارة العدل بأن غياب تأكيد الوفاة يترك الأسر أمام غموض يمس الإرث والملكية والوصاية والنفقة، ويقدّر عدد المفقودين والمختفين قسراً، بحسب البيانات المتاحة حتى نيسان ٢٠٢٦، بأكثر من ١١ ألف شخص، بينهم نحو ٤٧٠٠ من النساء والأطفال.
لا يمكن معالجة هذا الغموض بنقل ملكية المفقود تلقائياً إلى أقاربه؛ فله حق يجب أن يبقى محفوظاً إلى أن يُحسم مصيره قضائياً، ولأسرته احتياجات لا تحتمل انتظاراً مفتوحاً. المطلوب إجراءات واضحة تتيح، بإشراف القضاء، حماية ممتلكاته وإدارة ما يلزم منها لمصلحة من يعولهم، فلا تُدفع العائلة إلى إعلان وفاة لم تتأكد منها كي تعيش، ولا تُترك عاجزة عن تدبير شؤونها.
ثم هناك المستأجرون. أسرة عاشت سنوات في شقة، ودفعت أجرتها، وكبر أطفالها فيها، خسرت هي أيضاً بيتها حين دُمّر المبنى. قد يكون المالك معروفاً ومسجلاً، لكن أين يظهر حق هذه الأسرة في خطط الإعمار؟
لا يمنح الإيجار المستأجر ملكية الأرض، ولا يضمن كل عقد العودة إلى مبنى يُعاد بناؤه. لكن هذه مسائل يجب أن تُعالج بقواعد واضحة وعادلة، لا أن تُترك إلى حين اكتمال البناء، حين تكون الخيارات قد ضاقت. ينبغي توثيق العقود والإشغال السابق، والنظر في المطالبات التي تنشأ عن التدمير، وتحديد موقع المستأجرين في برامج السكن والمساعدة والتعويض وشروط عودتهم أو حصولهم على بدائل مناسبة، مع مراعاة حقوق المالك. فالبيت الذي فقدته الأسرة كان مأواها، حتى إن لم يكن ملكها.
وما يجمع هذه الحالات هو أن الوثائق المتاحة لا تروي دائماً الحكاية كاملة. لدى البلديات خرائط ورخص بناء وبيانات، ولدى الأسر عقود وإيصالات قد يكون بعضها تضرر أو فُقد. يجب جمع ما يمكن جمعه، وإتاحة وسائل إثبات بديلة تخضع للتدقيق والاعتراض أمام الجهات المختصة؛ فمن فقد أوراقه تحت القصف ينبغي أن يجد طريقاً لإثبات حقه، لا أن يصبح فقدانها باباً لإقصائه. وقد أرشفت سلطة الأراضي في غزة الملكيات إلكترونياً منذ بداية الحرب، بحسب رئيسها، فيما تحتفظ سلطة الأراضي في رام الله بنسخ رسمية؛ ولا بد من مطابقة النسختين وفق بروتوكول مشترك، مع نسخة احتياطية ثالثة خارج القطاع.
لكن تحديث الحقوق سيبقى معرضاً للخطر إذا استمر بيع الأرض في هذه الظروف. فكيف نطمئن إلى عقد قد لا يكون جميع الورثة معروفين عند توقيعه؟ وكيف نتحقق من وكالة صادرة عن شخص أصبح مفقوداً، أو من تنازل امرأة خسرت سندها ودخلها؟ وقد يوافق مالك على البيع لأنه يحتاج إلى عملية جراحية أو إلى إطعام أطفاله، وهذا واقع يفرض على المؤسسات مسؤولية حمايته من الاستغلال.
وقد أعلنت سلطة الأراضي في غزة، في الثامن من تشرين الأول ٢٠٢٦، تعليق استقبال وتصديق وتسجيل معاملات البيع ونقل الملكية الجديدة في المناطق الواقعة ضمن نطاق «الخط الأصفر»، مع استثناء التصرفات بين الأصول والفروع وفق شروطها، وحذّرت من العقود العرفية والوكالات الدورية خارج قنواتها الرسمية، واعتبرت ما يخالف الإجراء باطلاً حُكماً. يعكس هذا الإجراء إدراكاً للخطر، لكن الحاجة إلى الحماية تمتد إلى القطاع كله، كما أن القرابة وحدها لا تكفي لضمان غياب الضغط أو حفظ حقوق جميع أصحاب الشأن.
من هنا، أدعو السلطة الفلسطينية إلى اتخاذ إجراء قانوني عاجل يوقف بيع الأراضي والعقارات في غزة مؤقتاً، ويمنع الالتفاف عليه بالوكالات والتنازلات والعقود غير المسجلة. وفي الوقت نفسه، تستمر معاملات إثبات الحقوق وتصحيح القيود وتسجيل الإرث الثابت قانوناً وتنفيذ الأحكام التي تحمي أصحابه. ويحسن أن يصدر الإجراء بقرار بقانون استناداً إلى القانون الأساسي، بأجل واضح يخضع للمراجعة والرقابة القضائية، مع استثناءات محدودة للضرورة الإنسانية، كالعلاج، تخضع لإذن قضائي وضمانات تحمي حقوق جميع أصحاب الشأن، وتوفير مساعدة للأسر التي يدفعها العوز إلى البيع. وقد يُقال، إن الوقف يمسّ حق المالك في التصرف بملكه، والجواب أن قيداً تبرره الضرورة ويحدّه الزمن ويراقبه القضاء لا يلغي الحق بل يحميه؛ فلا يستقيم أن نطلب من إنسان الاحتفاظ بأرضه ثم نتركه وحيداً أمام كلفة البقاء.
أقترح على مجلس الوزراء أن يجمع وزارة العدل وسلطة الأراضي والجهات القضائية المختصة والأحوال المدنية والبلديات حول هذه المهمة، وأن يحدد مسؤولية كل جهة وسبل الوصول إلى خدماتها. والانقسام القائم يزيد الحاجة إلى آلية تنسيق مشتركة تحفظ السجلات، وتدقق التعديلات، وتحول دون تضارب المعاملات، وتتلقى الشكاوى، وتنشر دورياً بيانات عن المعاملات الموقوفة والحقوق التي أُثبتت. ليس مقبولاً أن تتحمل أسرة فقدت بيتها وأفراداً منها تبعات عجز المؤسسات عن العمل معاً.
لا نملك ترف تأجيل هذا الملف إلى ما بعد الإعمار. فالصفقات قد تُبرم قبل وصول مواد البناء، والقرارات المتعلقة بالأرض قد تستقر في غياب أصحابها. وحين تبدأ الجرافات عملها، قد يكتشف بعض الناجين أنهم مطالبون بإثبات حق ظنوا أنه محفوظ، أو أن مكانهم لم يعد محسوباً في الحي الذي عاشوا فيه.
لقد خسر أهل غزة بيوتاً وأشخاصاً لا يمكن تعويضهم. ومن واجب المؤسسات الفلسطينية أن تمنع خسارة أخرى ما زال ممكناً تداركها: أن يجد الناجون، حين يستطيعون العودة، أن الأرض التي بقيت لهم لم تعد بأيديهم.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
