غير عادية وفي ظروف غير عادية، لم يسبق لإسرائيل أن عاشتها منذ تأسيسها، جرت الانتخابات العامة بعد تكهنات كانت واقعية، أشارت إلى إمكانية تأجيلها بسبب إصرار نتنياهو على تصعيد حربي كبير، أوقفه الرئيس الأميركي.
كان ولا يزال معلوماً أن نتنياهو الذي جر الدولة إلى اخطر الكوارث التي عاشتها وشهدت خلالها حروبا على جبهات متعددة، وعزلة دولية متزايدة، وشعوراً متنامياً لدى المجتمع بالقلق إزاء بقاء الدولة وخسائر مادية وبشرية ومعنوية، كان معلوماً أن رئيس الحكومة سيقدم على أي عمل من شأنه أن يقدم له حلاً لإنقاذ مستقبله السياسي والشخصي.
الرئيس ترامب حاول أن يعوض نتنياهو عن شن حرب لا يريدها بأن قدم له دعماً كاملاً ومطلقاً في محاولة لتحسين فرصه في الانتخابات.
بعد ظهور نتائج العينة التلفزيونية علق الرئيس ترامب أنه عندما اعلن عن دعمه لشريكه «انقلبت الأمور رأساً على عقب وبدلاً من أن تكون هزيمة ساحقة لرئيس وزراء عظيم يبدو أن الأمر وكأنه عودة قوية من الخلف أو حتى انتصار لنتنياهو». الرئيس ترامب نسب لنفسه الفضل في تغيير حظوظ نتنياهو الانتخابية.
وعلى الرغم من أن ثمة ارتباكا شديدا في قراءة النتائج الأولية للانتخابات، ومحصلة ما يحصل عليه المعسكران المتنافسان إلا أن النتائج الحقيقية ستحتاج إلى ما يقرب من أسبوع حتى تظهر على نحو محسوم. في هذه الأثناء الكل اعلن عن انتصاره سواء نتنياهو أو آيزنكوت وما بينهما من حلفاء.
في الواقع فإن الطرف الوحيد الذي يحق له إعلان انتصار عبارة عن إنجاز غير مسبوق له أسبابه وتداعياته هو الطرف الفلسطيني سواء فيما يتعلق بنسبة تصويت العرب أو من حيث النتائج التي أعطت القائمة المشتركة والموحدة، بين ثمانية عشر وتسعة عشر عضو كنيست.
لا يستطيع أي من المعسكرين أن يدعي أحقيته في أن يحصل على تفويض الرئيس هرتسوغ لتشكيل الحكومة المقبلة إلا بعد أن يحصل احدهما على دعم العدد الأكبر من اعضاء الكنيست الفائزين، ولكن هذه ليست الوصفة الوحيدة المطروحة.
سيكون مفاجئاً إذا تدخل الرئيس الأميركي ومارس ضغطاً على الرئيس الاسرائيلي من أجل تكليف نتنياهو بتشكيل الحكومة.
ثمة ثلاث ملاحظات يمكن تسجيلها، الأولى، نكتشف من خلال البيانات الرسمية أن ثمانمائة وخمسين ألف مصوت موجودون خارج إسرائيل، وان احتسبنا معهم من لا يحق له التصويت، فإن اكثر من مليون إسرائيلي هم من هاجروا، أو يقيمون خارج الدولة لفترات طويلة كواحدة من مخرجات وتداعيات الكارثة التي جر نتنياهو وائتلافه البلاد إليها.
الثانية، أن ثمة عملية استقطاب حادة في المجتمع تترجم حالة من الانقسام والصراع على الهوية ومستقبل الدولة، وفي خضم هذه العملية تظهر عنصرية بغيضة تجاه عرب الداخل الذين واجهوا حملات تحريض وتشويه، ورفض لأي دور لهم في العملية السياسية.
هذا الفوز الذي حققته القوائم العربية سواء من حيث الارتفاع غير المسبوق في الذهاب إلى صناديق الاقتراع، أو في المحصلة يعكس تنامي دور فلسطينيي الداخل في مقاومة العنصرية والفاشية، من موقع التضامن القوي مع الشعب الفلسطيني الذي واجه ويواجه حرب إبادة، وإنكاراً لحقوقه الوطنية، وتعزيز مشاركة أهل الداخل في مقاومة سياسة التهجير والضم.
الثالثة، أن قراءات العينة التلفزيونية شهدت ارتباكاً غير مسبوق، وفشلت استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات في استظهار الواقع.
والآن ثمة قراءة مضطربة جداً من قبل المحللين الذين يقدمون انفسهم على انهم خبراء في الشأن الاسرائيلي، إذ إن كلاً منهم يقدم قراءة تتحدث عن ثلاثة أو أربعة سيناريوهات، سيصيب واحد منها، ولكن ليست هذه طريقة مناسبة للتحليل الذي يقدم لجمهور ينتظر إجابات أكثر واقعية.
الأكيد أن نتنياهو سيقدم على كل شيء وأي شيء حتى لا تفلت منه الحكومة المقبلة، حتى لو أدى ذلك إلى بيع بعض حلفائه في الائتلاف، أو حتى ما هو اكثر من ذلك.
من حيث العدد، فإن الليكود يتصدر الأحزاب والكتل الأخرى وربما حسب آخر الاستطلاعات أن معسكره، يتفوق من حيث العدد على المعسكر المعارض، لكنه لا يستطيع تشكيل حكومة إلا في حال عجز المعسكر الآخر.
حتى يقطع الطريق على إمكانية توظيف أصوات الفلسطينيين يتهم نتنياهو آيزنكوت ومعسكره، بالخيانة العظمى إذا استعان بأصوات العرب، في الواقع ليس هو فقط من يرفض قطعياً الاعتماد على القوائم العربية التي لن تمنحه هذه الفرصة وحتى لو أن الموحدة أبدت استعداداً للانضمام إلى معسكره فهو لن يحصل على الأغلبية المطلقة.
في معسكر ايزنكوت أيضاً ثمة من يرفض بأي حال الاعتماد على أصوات أعضاء الكنيست العرب، وأكثرهم تشدداً أفيغدور ليبرمان، وان استمر هذا التشدد فإن آيزنكوت سيقفل الأسابيع الستة المتاحة دون أن يتمكن من الحصول على الأغلبية المطلقة.
معسكر المعارضة، يعاني من انقسامات حول هذا الأمر إذ وجه غولان رئيس حزب الديمقراطيين نداء لشركائه بأن يرفضوا التقسيم العنصري الذي يطرحه نتنياهو بين أصوات العرب وأصوات اليهود.
في مطلق الأحوال، من غير المحتمل أن يقبل الليكود الانضمام لحكومة يشكلها آيزنكوت الذي يبدي استعداداً، ولكن دون نتنياهو كما أن نتنياهو قد لا ينجح في استمالة كتلة وازنة من معسكر المعارضة اذ إن الجميع يرفض بقاء نتنياهو في الحكومة.
أبسط السيناريوهات يذهب إلى أن هذا الاستعصاء سيمنح نتنياهو ستة أشهر، على رأس حكومة انتقالية حتى إجراء الانتخابات في آذار أو نيسان العام المقبل، والى ذلك الحين قد تتبدل أشياء كثيرة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
