في غزة يوم عن يوم تكبر الهموم والمآسي والمطالبات، وتتسع الهوة و دائرة الحقد والكراهية، ومع وتيرة التصريحات النارية والإتهامات يزداد بؤس الحال والصراع على سلطة بائسة.مصطفى 8

غزة تموج بتحركات و إحتجاجات تجعلها تفقد بوصلتها وصوابها، ولا أحد يعلم مستقبلها وما سيجري بعد ساعة من الآن، لا أمل قريب في فتح معبر رفح وحاجة الناس للسفر والعلاج والعمل و إعادة الإعمار المتوقف، والحاجة الماسة لتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة و لقمة العيش لعشرات وربما مئات الآلاف من الناس الذين فقدوا منازلهم، وحماية أنفسهم وأبنائهم من البرد و التفقير والتجويع.

من يعيش في غزة يعتقد كل لحظة أنها تعيش وأهلها أيامها الأخيرة، ومدى حاجاتهم كي يشعروا أنهم بشر ومن حقهم التمتع بحياة كريمة، ثماني سنوات والناس تنتظر يوم الخلاص برفع الظلم والحصار ومنع حدوث مزيد من الكوارث والمآسي وانضمام مزيد من الفقراء إلى طوابير الإنتظار في النفق وبروز ضوء الشمس.

منذ سنوات وغزة تنتظر الخروج من عتمة و ديكتاتورية و إستبداد النفق كي تنعم بالنور والأمن و الإستقرار والبحث عن مستقبل مشرق، أهل غزة وثقوا بإصحاب الوعود البراقة والشعارات الجميلة التي لم تدوم طويلاً و إكتشفوا قبحها وزيف تحقيقها.

غزة لم تبخل على من وعدوها بالمن والسلوى وأن الجنة أقرب إليهم من حبل الوريد، وصبروا وما زالوا إلى أن الصبر صبر على صبرهم، وعندما حان وقت القطاف و إنهاء الإنقسام بناء على إبتسامات وضحكات أصحاب الوعود الجديدة لم يكونوا على يقين أن ضحكاتهم صادقة وأياديهم المشرعة عالية ستقويهم وستخرجهم من مآسيهم، وسرعان ما إكتشفوا بحسهم أن كل ذلك هو محاولات من أصحاب الوعود للخروج من النفق.

غزة تنكأ جروحها من جديد و تدهور حال الناس بشكل أسوأ والهاجس يرافقهم بواقع قد يزداد تعقيداً في كل لحظة، والخلاف لم يعد خلاف إنما قد يصل إلى صراع طاحن، فالصراع الكامن تحت عناوين مختلفة، من الإقصاء والتفرد و الإستبداد، وهو بالأساس صراع سياسي سلطوي، و إنتقل القتال من جديد على الأرض وعلى لقمة العيش كما يقال ونشاهد أيضاً.

مؤشرات القتال بدأت منذ سنوات من الإهمال والتهميش وخلق مراكز قانونية ومعنوية، و إستكملت بتوظيف و بتسكين موظفين ورواتبهم وعدم تسلمها، و بمنع موظفين لموظفين آخرين من تقاضي رواتبهم ولاحقاً بتفجير البنوك، والناس يتوقعون الأخطر فالصراع الداخلي الجديد القديم إنتقل إلى لقمة العيش ومعاناة عائلات وأطفال وتجويعهم، كما ترجم بتفجيرات أخرى منظمة و إستدعاء لمجموعات متطرفة بأنها هي من قامت بها، أو للقول أن هذا هو القادم الأسوأ.

غزة تنتظر من حكومة الوفاق الحل والحكومة لم تُمكن من القيام بواجباتها، فهي لا تملك من نفسها سوى إصدار البيانات والتصريحات المتناقضة و المرتبكة، وتفاقم المعاناة، والشكوى منها كبيرة وتوجه لها الإتهامات بأنها تمارس الظلم والتهميش ضد الناس، وأصبحت مهمة الحكومة الشكوى بدلاً من حل الشكاوى وإيجاد الحلول.

وحتى اللحظة الكل يتحدث عن حلول والحقيقة أن لا حلول و من دون تقديم افكار خلاقة تخرجنا من الانكشاف الذي عرانا جميعا، فالحديث المزعوم هو مجرد مكلمة و إضاعة للوقت، واستمرار في تدمير الذات، و الاخبار المتداولة متناثرة ومن دون مصداقية، وما يتم الحديث عنه لن يمنع غزة من الإنفجار، و بات الغزيين يدركون أن الإنقسام الفلسطيني مؤبد وأن حل مشكلاتهم حلم بعيد المنال.

من لغزة؟ لإخراجها من هذا الواقع والناس لا يستحقون أن تصل حياتهم الى هذه الدرجة من التعقيد و السوء، والخوف قائم من تكرار سيناريوهات جربوها وهي مرة بطعم العلقم، ويدفعون ثمنها يومياً، وفي ظل ما نسمعه وما نراه لا تكون مكافئتهم على صمودهم وصبرهم أن يظلوا يفكرون بالأسوأ.


Mustafamm2001@yahoo.com
mustaf2.wordpress.com

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد