يبدو أن عقد مؤتمر «فتح» الثامن بات على الأبواب، خاصة بعد تحديد المجلس الثوري لـ»فتح» تاريخاً محدداً لذلك، حتى وإن تم بعد ذلك تأجيل الأمر قليلاً ربما لاعتبارات لوجستية. ومؤتمر «فتح» ليس مؤتمراً حزبياً أو جلسة لمؤسسات حركة أو تنظيم، بل هو صياغة للمستقبل الوطني الفلسطيني؛ للمكانة التي تتمتع بها «فتح» في النضال التحرري الفلسطيني. وعلى مدار قرابة سبعة عقود نجحت «فتح» في أن تظل البوصلة التي توجّه الجهد الوطني تجاه فلسطين وليس تجاه مصالح عواصم الإقليم، وحتى في اللحظات الحرجة لم تفقد «فتح» البوصلة. وبعقد مؤتمرها الثامن تظل «فتح» وفية لفكرتها الأولى ولنهج الحياة التنظيمية الذي أرساه أباؤها المؤسسون، والذي جعل منه الرئيس محمود عباس منهج قيادة وإدارة في ظل عقد ثلاثة مؤتمرات في أقل من عقدين من الزمن. ثمة الكثير الذي يمكن أن يقال حول المؤتمر، وهناك الكثير من القضايا التي يمكن طرحها استباقاً لعقده، لكنَّ ثمة نقطتين واجبتين هنا في هذا المقال، إحداهما تتعلق ب غزة ، والأخرى بعموم المشروع الوطني الفلسطيني. أما الأولى فتتعلق بحضور غزة في مؤتمر «فتح» الثامن.
من المؤكد أن الوقت الذي سيتم عقد المؤتمر فيه عصيب وصعب، خاصة في ظل استمرار الحرب على غزة، رغم إعلان ترامب وخطته التي وافقت عليها « حماس » بالاتفاق مع إسرائيل، والتي أعطت الأخيرة السيطرة على أجزاء كبيرة من غزة وقسّمت القطاع إلى شرق غزة وغرب غزة، وعمّا قليل سنسمع عن غزة الجديدة وغزة القديمة. وفي ظل عدم التوصل لصيغة ل فتح المعبر وربما بعد فتحه ظهور عثرات في إدارته، فإن حضور ممثلي الحركة من غزة وقائع المؤتمر قد يبدو صعباً. ما أرجوه ألا يتم هذا الحضور فقط من خلال التصويت هاتفياً كما تم خلال المؤتمر السادس حين منعتنا حركة «حماس» من مغادرة القطاع وزجّت بالكثير من أعضاء المؤتمر في الزنازين، وقتها كانت ثمة ضرورة لعدم جعل قرارات «حماس» تمسّ استمرارية الحياة التنظيمية في غزة، وبدا مفيداً ربما أن يتم التصويت هاتفياً رغم ما اعترى ذلك من مشاكل، وربما لمن عاش الفترة، وكان جزءاً منها مثلي، يدرك أن تنظيم غزة وقتها دفع ثمناً باهظاً؛ إذ لم يتم تصعيد أي من قيادة الأقاليم أو العاملين في أطر الحركة في غزة تحت حكم «حماس» إلا في حالات لا تتجاوز أصابع كف اليد الواحدة. لكن اليوم لا يمكن أن يكون الحال بهذا الشكل، إذ إن الواجب حضور قادة «فتح» في غزة المؤتمر؛ حتى تكون غزة حاضرة فعلاً في وقائع المؤتمر كما كان الأمر في المؤتمر السابع، رغم أن نتائجه لم تكن «مريحة» لغزة التي لم يكن تمثيلها في تلك النتائج بقدر حضور وقوة «فتح» فيها، وأيضاً لم يتجاوز عدد من نجحوا من قيادة التنظيم الذين تم تعذيبهم وسجنهم وملاحقتهم على يد «حماس» طوال سنوات لا يتجاوز أصابع الكف الواحدة. المطلوب أن تكون «فتح» في غزة حاضرة في المدخلات والمخرجات، ليس من أجل غزة فقط، رغم أن لغزة شأناً يتطلب هذا، ولكن أيضاً من أجل «فتح» التي تقود المشروع الوطني وتحدد مستقبله. مرة أخرى المؤتمر بالنسبة للفتحاويين ليس مؤسسة حزبية أو جلسة تنظيمية عادية، بل هو استحقاق وطني؛ إذ إن شأن «فتح» هو شأن وطني عام، ودون سواها فإن أطر «فتح» التنظيمية من تشكيلة الشعبة مروراً بانتخابات المناطق التنظيمية ومن ثم الأقاليم، وصولاً لعقد المؤتمر العام، تحظى باهتمام شعبي يعكس قوة حضور «فتح» في الشارع، وما يعوّله الناس على قيادتها في الأطر كافة، وكل في موقعه.
وهذا ما يقودنا للنقطة الثانية الواجبة في هذا النقاش، والمتعلقة بمستقبل القضية الوطنية بعد الفوضى التي نعيشها، خاصة بعد الخراب الذي ألحقته مغامرات «حماس» بالقضية الوطنية، وما حدث لقطاع غزة من تدمير كامل وتحويل الحياة فيه إلى جحيم. أمام هذه الفوضى، فإن «فتح» بحاجة لتطوير رؤية شاملة ومتكاملة لإسعاف القضية الوطنية، تركز في جوهرها بالأساس على إعادة لحمة «القضية الفلسطينية». وحتى نكون واقعيين، فإن الحالة الوطنية تمر بحالة تمزق غير مشهودة على صعيد المسارات والمآلات. لم تعد هناك قضية فلسطينية واحدة من وجهة نظر الفاعلين في النظام الدولي وحتى بعض أطراف الإقليم، هناك «قضايا» فلسطينية، هناك قضية غزة، وقضية الاستيطان في الضفة الغربية يتم النظر لها بوصفها قضية ذات تبعات معيشية على حياة السكان في الضفة الغربية وليست قضية سياسية ينتقص تعاظمها من ممكنات إقامة الدولة الفلسطينية، وهناك قضية القدس لا ينظر لها أكثر من قضية حريات دينية، ويمكن وفق نفس الفهم الحديث عن قضايا مختلفة أخرى، ولكن ما يهم المجتمع الدولي والإقليم هي تلك القضايا الثلاث. وفي جوهر وجهة النظر التي يتم تطوير المواقف الدولية والإقليمية وفقها، لا يوجد أي بعد سياسي لأيّ من هذه القضايا. وهذه حقيقة يجب أن ندركها حتى نعرف كيف نتعامل معها. وفي قلب هذه القضايا تبرز قضية غزة كقضية مركزية ومحورية؛ لأنها تمس الأمن الإسرائيلي بشكل أساس، والتعاطي معها لا يتم بسبب الوضع الكارثي الذي نجم عن حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على غزة، بل من أجل التأكد أن غزة لن تشكل أي خطر مستقبلي على إسرائيل مهما كانت الظروف، وكل الحلول المقترحة ذات عمق إنساني وليست حلولاً سياسية. فطالما لم يتم تنفيذ خطر التهجير وإفراغ الشريط الساحلي بشكل كامل من السكان، فإن البحث يجب أن يتم عن تقليل مخاطر بقائه على الأمن الإسرائيلي. وهذا نقاش ربما احتاج لمقالة أخرى حول التحولات التي جرت في الوعي الدولي بفعل نفوذ إسرائيل، وبفعل أخطاء ولاة الأمر في غزة حول التعامل مع غزة. النتيجة أن القضية الفلسطينية تم استبدالها بقضية غزة. «فتح» فقط، وعبر برنامج سياسي واضح قائم على خطط نضالية وتحركات على الأرض، يمكن لها أن تُفشل كل هذا.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
