انتهت الأحداث الدرامية التي شهدها جنوب اليمن الأسبوع الماضي بقرار مجلس جنوب اليمن حلّ نفسه وقبول سيطرة الحكومة اليمنية الرسمية، المدعومة من السعودية. ويمكن قراءة هذا التطور بوصفه تراجعاً تكتيكياً أكثر منه نهاية لمسار سياسي، فرضته موازين القوى الإقليمية وحدود الدعم الخارجي، وليس نتيجة حسم داخلي أو توافق وطني.
الإمارات، التي لعبت دوراً محورياً في دعم أطراف جنوبية خلال سنوات الحرب، اختارت هذه المرة عدم التدخل المباشر لصالح المجلس الجنوبي. ويبدو أن هذا القرار جاء نتيجة تقدير إماراتي بأن فرص نجاح التمرد كانت محدودة، وبأن السعودية كانت مصمّمة على حسم الموقف سريعاً. في هذا السياق، فضّلت أبوظبي تقليل الخسائر والحفاظ على علاقتها الاستراتيجية مع الرياض، بدلاً من الدخول في مواجهة إقليمية غير مضمونة النتائج.
خلال سنوات الحرب، تمكنت الإمارات من ترسيخ نفوذها في عدد من الجزر والمواقع الحيوية في باب المندب، من بينها جزيرة بريم وجزر أخرى، إلى جانب حضورها في موانئ استراتيجية. وقد ارتبط دعمها للقوى الجنوبية، جزئياً، بسعيها إلى ضمان نفوذ طويل الأمد في الموانئ اليمنية مثل عدن والمكلا ومناطق في المهرة، ضمن رؤية أوسع للتحكم بعقد الملاحة الإقليمية.
في هذا الإطار، تتبع الإمارات ما يمكن وصفه باستراتيجية "المناطق البحرية الإقليمية"، أي بناء شبكة نفوذ تمتد على طول محور بحر العرب – المحيط الهندي – البحر الأحمر، عبر الاستثمار أو الاستئجار أو التأثير السياسي في الدول المطلة على هذه الممرات.
يعكس هذا النهج إدراك الإمارات لحساسية موقعها الجغرافي واعتمادها الكبير على مضيق هرمز في حركة التجارة والطاقة، ما يجعلها أقل ميلاً للانخراط في حروب مفتوحة، مثل الحرب مع الحوثيين، وأكثر تركيزاً على إدارة نفوذ غير مباشر عبر الموانئ والقواعد البحرية. وفي هذا السياق، يتقاطع دورها في اليمن والقرن الإفريقي وليبيا مع مصالح إسرائيل في تأمين حرية الملاحة في البحر الأحمر وموازنة النفوذ التركي والإيراني، ضمن شراكة براغماتية تتجاوز الاعتبارات المحلية.
وقد تجلّى هذا التوجه في إنشاء قواعد وموانئ أو إدارة منشآت بحرية في إريتريا، وأرض الصومال، وجزر قريبة من باب المندب. كما تراجعت مشاريع إماراتية أخرى، مثل مشروع الميناء في السودان، نتيجة تعقيدات سياسية واختلافات في التحالفات المحلية، ما يعكس حدود القدرة على ترجمة الطموحات الجيوسياسية إلى وقائع مستقرة على الأرض.
لا يمكن فصل هذا الحضور الإماراتي عن سياق أوسع، حيث يتقاطع مع مصالح دولية في تأمين حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. كما يجري تسويق هذا الدور غالباً تحت عنوان مكافحة الإسلام السياسي، ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين، وهو خطاب جرى تضخيمه إقليمياً ليؤدي وظيفة سياسية وأمنية، أكثر مما يعكس بالضرورة تهديداً فعلياً موحداً في جميع هذه الساحات.
في المقابل، شهد القرن الإفريقي خلال العام الماضي صعوداً ملحوظاً للدور التركي، خاصة في الصومال، حيث وقّعت أنقرة اتفاقيات تتعلق بالموانئ وبالتنقيب عن النفط والغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة. كما نجحت تركيا في تعطيل مبادرات كانت تهدف إلى منح إثيوبيا منفذاً بحرياً مقابل ترتيبات سياسية، قبل أن تُبرم اتفاقيات بديلة حافظت فيها الصومال على موقعها ودورها، وكرّست حضور أنقرة كلاعب إقليمي متنامٍ في هذه الجغرافيا الحساسة.
أما الحكومة اليمنية الرسمية، فلا تزال تعاني من ضعف بنيوي، سواء على المستوى الاقتصادي أو الإداري، وتعتمد إلى حد كبير على الدعم الخارجي. وبعد اتفاق وقف إطلاق النار، بدت غير قادرة على بسط سيطرة فعلية على مناطقها، ما جعلها أقرب إلى واجهة سياسية معترف بها دولياً، أكثر من كونها سلطة سيادية مكتملة.
في هذا السياق، لا يبدو أن السعودية معنية بإعادة إشعال حرب واسعة في اليمن، في ظل تركيزها على أولوياتها الداخلية ومشاريعها الاقتصادية الكبرى. لكنها، في الوقت ذاته، لا تزال تنظر إلى الحكومة اليمنية بوصفها الإطار السياسي الشرعي والوكيل القائم، وتبدي استعداداً للحفاظ عليه ولو بالحد الأدنى، منعاً لانفلات المشهد أو صعود بدائل غير محسوبة.
ما جرى في جنوب اليمن يعكس، في المحصلة، حدود الأدوار الإقليمية وحدود الرهانات المحلية. فالدعم الخارجي يبقى مشروطاً ومتغيراً، والتحالفات تُدار وفق المصالح لا الالتزامات، فيما تُستخدم الصراعات كأدوات ضغط وتوازن، لا كمشاريع حسم أو استقرار نهائي.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
