مرة أخرى يتعرض التعليم في قطاع غزة لعمليات تحوّل وتشويه تستوجب موقفاً وطنياً حازماً. للسنة الرابعة على التوالي هذا الصيف، في حال لم يتم فيه انتظام العملية التعليمية وطنياً، فإن طلاب غزة سيواصلون غيابهم القسري عن مقاعد الدراسة بعد تدمير المدارس ومرافق جهاز التعليم المختلفة. ومع ذلك فإن ثمة تحركات يتم إدارتها بعيداً عن أهداف التعليم الوطنية العامة المحددة في سياسات وزارة التربية تهدف لتسييس العملية التعليمية الجديدة وفق أجندات «مرحلة ما بعد الحرب» التي تركز على هزيمة الوعي الفلسطيني.
وفق تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز تنشط في غزة جمعية تعمل على إقامة مدارس تعليمية تديرها مؤسسة «أكاديمية الأمل» حيث ينتظم قرابة 9 آلاف طالبة وطالب في مدارس الأكاديمية الست المنتشرة في مناطق مختلفة من قطاع غزة، كما ووفق التقرير يُصار إلى تغير المنهاج المقر من قبل وزارة التربية والتعليم في السلطة الفلسطينية ليخدم توجهات القائمين على إدارة هذه المؤسسة ومموليهم في الغرب، والهادفة إلى «تعزيز السلام والتسامح وقيم التعايش»، بعبارة أخرى جني ثمار الحرب على غزة وإعادة صياغة الوعي الفلسطيني. بل إن التقرير تحدث عن حفلة تخرج يقوم خلالها التلاميذ برسم علَم فلسطين وعلَم إسرائيل، وأنا أشك في صحة ذلك، بل ربما تم نشره من باب الدعاية للجمعية في الغرب لجلب المزيد من التمويل، إذ لم تقم الجمعية ولا التقرير بنشر أي صورة عن هذا الأمر، وإن تم سراً فقد يكون دُبّر بليل وتم خلاله تضليل الأطفال ليس إلا، ودون دراية منهم ومن أهلهم. الطفل الفلسطيني مهما صغُر سنّه لا يمكن له أن يخطئ هوية الطائرة التي دمرت بيته. ومع ذلك الأمر بحاجة لمتابعة وطنية جادة. وكما يقول تقرير «نيويورك تايمز» فإن الممول المركزي لسلسلة المدارس هم ممولون يهود.
قبل قرابة شهر قام مائة مثقف وكاتب وفنان فلسطينيين بنشر بيان أعربوا فيه عن قلقهم من محاولة المساس بالتعليم الفلسطيني في غزة، وحذروا من خطوة مشابهة لما يحدث ضمن سياق أعم وأوسع، تحدثوا فيه عن التحولات التي يتم صياغتها في الوعي وتصورات المكان في القطاع بما يمس بنية وهُوية المكان وبالتالي سكانه. كان يجب أن يتم أخذ مثل هذه الملاحظات على محمل الجد. كتبوا في بيانهم: كما إننا لا نخوّل أحداً أو أي جهة محلية أو إقليمية أو دولة خارجية بالإشراف على برامجنا التعليمية أو المساس بمنهاجنا أو بنية وتركيبة نظامنا التعليمي في قطاع غزة، إن المنهاج هو دليل التنشئة الوطنية المستندة على التاريخ والحضارة والصائغة للحقوق، كما أن التعليم هو أساس الهوية الثقافية الوطنية وليس مجرد خدمة يتم تكييفها لتتوافق مع متطلبات «مرحلية»، وحقيقة الأمر إن التعليم فعلاً ليس خدمة ولا مجرد صف، بل هو مصنع الوعي الأول وموطن صياغة الهوية الوطنية. وعليه، فكما اختُتم البيان قبل شهر من صدور التقارير الاحتفالية الصادرة في الصحف الأجنبية عن جلب السلام عبر التعليم قائلاً «إن متطلبات المرحلة الوحيدة الآن في غزة، وأكثر من أي وقت مضى، تكمن في الحفاظ على الإنسان الفلسطيني في أرضه وتواجده عليها، ولا يكون ذلك إلا بتعزيز الانتماء والهوية الوطنيين».
 للأسف لم يتم أخذ الأمر على محمل الجد.
إن ما يتم هو توظيف المأساة الإنسانية من أجل إعادة إنتاج الوعي ومسح الذاكرة الوطنية، حيث يتم استغلال حاجة الأطفال للمأكل والملبس والاستقرار من أجل دفعهم للذهاب لمثل هذه المدارس للتعرض لعملية تدجين غير إنسانية، في توظيف لشعارات إنسانية غير صحيحة. وإن كانت مثل هذه التقارير غير دقيقة، فإن الجانب الفلسطيني من المؤسسة، بمعنى المشرف عليها في داخل القطاع، مُطالَب بنفي وتفنيد ما ورد فيها، لكن المحزن ان موقع الأكاديمية على «الإنستغرام» يتفاخر بنشر تقرير «نيويورك تايمز» وطبعاً على صفحة «الإنستغرام» نفسها، وضمن التقرير يظهر شعار «صندوق إسرائيل الجديد». وعليه فإن تحركاً وطنياً يجب أن يدفع باتجاه استجلاء الموقف من قبل المؤسسة، ومن ثم اتخاذ الإجراءات اللازمة إن كانت مسجلة في الداخلية في رام الله ، وإن كان لها حسابات في البنوك الفلسطينية، كما أن القوى الوطنية مطالبة بتحرك جماهيري من أجل توعية المواطنين ووقف مثل هذا الاستهداف الفج للوعي والهوية الوطنيين. وفلسطين ستظل أرض سكانها الفلسطينيين، لا يلغي هذا أي واقع سياسي، وهي كانت ودوماً موطناً لجميع سكانها، أما الحب والتعايش والتسامح فهذه ليست خصالاً يتم استيرادها، بل هي في جوهر الثقافة العربية التي لم يكن ثمةَ تمييز فيها بين مسيحي ومسلم ويهودي، فأمرؤ القيس كان مسيحياً والسموأل كان يهودياً وعنترة كان وثنياً والمتنبي كان مسلماً، ومع ذلك فلا فرق بينهم.
كما يجب الانتباه إلى أن وجود مثل هذا النظام من التعليم وتعميمه وتدويله، بمعنى جعله جزءاً من التدخل الدولي في إعادة هيكلة قطاع غزة سيكون الاقتراح النموذجي من قبل مجلس السلام وإسرائيل لاستبدال « الأونروا »، وأظن أن من السذاجة الافتراض ان من يعملون على هذه الفكرة، وأنا لا أقصد المعلمين وربما مدراء المؤسسة المحليين، بل صناع القرار الغربي فيها وممولوها، لم تأت هذه الفكرة في رأسهم. وعليه فإن القصة أكبر من مجرد إقامة صف مدرسي واستبدال مقارنة تعداد الشهداء في الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية بتعداد المتفرجين في ملعب كرة قدم، أو استبدال قصة حياة دلال المغربي بحياة هند الحسيني، بل إن القصة هي مشروع سياسي يصب في التصورات العامة لمحو هوية قطاع غزة، واستكمال مشروع « النكبة الثقافية» الذي تحدثنا عنه على هذه الصفحة منذ أكثر من عام.
لا أحد مُعفى من المسؤولية ولا أحد بريء، إن محاربة هذه التشويهات في الجهاز التعليمي وخلق جهاز تعليم بديل يجب أن أن يكون ضمن المهام الوطنية الجديدة للتنظيمات الفلسطينية الوطنية، خاصة حركة فتح التي هي فعلاً تنظيم الجماهير في غزة، والسلطة الفلسطينية بوصفها نواة الدولة الفلسطينية العتيدة وحامية فكرة الاستقلال الوطني، وقبل وبعد كل شيء منظمة التحرير وطننا المعنوي وهويتنا الجامعة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد