لم تكن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا ) يومًا مجرد مؤسسة خدمية، بل شكّلت منذ تأسيسها بموجب قرار الجمعية العامة رقم 302 (د-4) لعام 1949 شاهدًا أمميًا حيًا على قضية اللاجئين الفلسطينيين، وتجسيدًا لمسؤولية المجتمع الدولي تجاههم إلى حين التوصل إلى حل عادل ودائم، وفي مقدّمته حق العودة.
غير أن القرارات الإدارية الأخيرة التي اتخذتها إدارة الوكالة، والمتمثلة في فصل موظفين نزحوا قسرًا بفعل الحرب، تثير تساؤلات جوهرية حول المسار الذي تسلكه الأونروا اليوم، وحول مدى التزامها بتفويضها القانوني ودورها الإنساني المفترض.
إن معاقبة موظفين بسبب نزوح فُرض عليهم قسرًا نتيجة القصف والتدمير لا يمكن توصيفه إلا باعتباره انتهاكًا صارخًا لمبادئ العدالة الإدارية، وتعارضًا واضحًا مع قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأ حماية المدنيين وحظر العقاب الجماعي المنصوص عليه في اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. فالظروف القاهرة، وفي مقدّمتها النزاعات المسلحة، لا يجوز قانونًا أو أخلاقيًا أن تتحول إلى أساس لعقوبات إدارية تطال الأفراد.
الأخطر من ذلك أن هذه القرارات لا تمسّ الموظفين وحدهم، بل تُفرغ تفويض الأونروا من مضمونه. فالموظفون هم العمود الفقري لعمل الوكالة، وأداة تنفيذ برامجها التعليمية والصحية والإغاثية. واستهدافهم يعني عمليًا شلّ قدرة الوكالة على الاستمرار، وتقويض دورها، لا إصلاحه كما قد يُدّعى.
ولا يمكن فصل هذه السياسات عن السياق السياسي العام المحيط بالقضية الفلسطينية. فثمة مخاوف مشروعة من أن تكون هذه الإجراءات جزءًا من مسار تدريجي يهدف إلى تقليص وجود الأونروا في مناطق عملياتها الأساسية، ولا سيما في قطاع غزة والضفة الغربية، تحت ذرائع متكررة تتعلق بالتمويل والعجز المالي، مع الإبقاء على حضور شكلي محدود في أقاليم أخرى. وهو مسار، إن صحّ، لا يخدم سوى الأجندات الساعية إلى إنهاء دور الوكالة بوصفها عنوانًا دوليًا لقضية اللاجئين.
إن استمرار هذا النهج في ظل غياب تدخل سياسي حقيقي من الدول المضيفة والشركاء الدوليين ينذر بعواقب خطيرة، ليس فقط على مستقبل الأونروا، بل على حقوق ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين يعتمدون على خدماتها، وعلى أحد أهم المرتكزات المؤسسية المرتبطة بحق العودة، كما أكدته قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 194 (د-3).
إن إنقاذ الأونروا اليوم لا يعني الدفاع عن مؤسسة بيروقراطية، بل الدفاع عن التزام دولي، وعن مسؤولية قانونية وأخلاقية تجاه شعب لا يزال يدفع ثمن نكبة لم يصنعها. كما أن حماية موظفي الأونروا ليست مطلبًا نقابيًا ضيقًا، بل شرطًا أساسيًا لاستمرار الوكالة وقدرتها على أداء دورها الإنساني بعيدًا عن التسييس والابتزاز المالي.
في لحظة تاريخية كهذه، تصبح مساءلة قرارات إدارة الأونروا واجبًا أخلاقيًا وقانونيًا، لا يقل أهمية عن مساءلة القوى التي تسعى منذ سنوات إلى إنهاء وجودها. فإما أن تبقى الأونروا وفية لتفويضها، أو تتحول—بفعل قرارات داخلية—إلى أداة تفريغ صامتة لهذا التفويض.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
