40-TRIAL- يبدو أن إسرائيل تعد، وعلى نار هادئة، مفاجأة للجانب الفلسطيني، بالطبع هذه المفاجأة لن تصل إلى حد الموافقة، أو قبول العودة للمفاوضات انطلاقا من ترسيم حدودي بين الجانبين، ولا عدم الوقوف في وجه مشروع القرار الدولي بتحديد سقف زمني مداه عامان، لإنهاء احتلالها للضفة الغربية و القدس وقطاع غزة . ولكن بالذهاب إلى إدارة جديدة للصراع بين الجانبين، وفرض الانتقال به من حالة الصراع على الضفة الغربية والقدس، إلى الصراع فيهما !
إن متابعة السياسات الاحتلالية الإسرائيلية، منذ نحو عشرين عاما، والتي أخذت _ برأينا على الأقل _ منحى مختلفا بل ونوعيا خلال الأشهر الأخيرة، حيث وعلى عكس المتوقع، إسرائيل لا تسعى إلى التهدئة، ولكن إلى البقاء على حالة التوتر والمواجهة، ولكن ضمن حدود محددة، تبقي الباب مواربا وتحت السيطرة، في انتظار لحظة الحسم، بعد سنوات قليلة، قد لا تتجاوز العامين اللذين يسعى إليهما الفلسطينيون، أو على أبعد تقدير، فترة إعادة الهدوء إلى الشرق الأوسط، بعد انتهاء حروبه الداخلية، طائفية الطابع والاستهداف.
جملة الإجراءات والسياسات الإسرائيلية المتخذة في الفترة الأخيرة، تشير إلى أن إسرائيل تحضّر جديا " لحل نهائي " لمعضلة احتلالها للقدس وللضفة الغربية، وأنها ما عادت تنتظر ذلك الحل عن طريق التفاوض، كما تشيع هي والولايات المتحدة، طالما بقي الجانب الفلسطيني يصر على أن يكون طرفا تفاوضيا فاعلا ومؤثرا، ويطالب بأن ينتهي الاحتلال للأراضي المحتلة منذ الرابع من حزيران عام 67 بالكامل.
وإسرائيل الدولة المعلنة منذ عام 1948، والتي منذ ذلك الوقت لم تحدد حدودها النهائية بشكل رسمي، كذلك لا تعرّف طبيعة الدولة وفق دستور محدد، لذا فإنها ما زالت تنظر عمليا إلى ما تحتله وما احتلته _ على الأقل _ من أراض، على انه جزء من ارض الدولة، بما في ذلك الجولان السوري المحتل، وان شكل وطبيعة ومحتوى الدولة ما زال مرهونا بانتهاء الصراع مع المحيط، خاصة مع الجانب الفلسطيني، لذا فإن إسرائيل ترى في الحل النهائي تحديداً لحدودها ولطبيعتها، قبل أي شيء آخر، وهي تعرف وتدرك، بان ذلك أمر، لابد منه في نهاية المطاف، حتى تعيش في المنطقة، وحتى تطبّع علاقاتها مع دول الجوار وحتى مع العالم بأسره.
لذا لم يكن الجدل في إسرائيل، لا حول القدس ولا على يهودية الدولة جدلا عابرا ولا تكتيكا سياسيا تواجه به المفاوض الفلسطيني، بل كانت تسعى من ورائه إلى التوصل لتوافق داخلي أولا، وثانيا إلى الشكل الذي يمكنها به أن تعيد تقديم نفسها بصيغتها النهائية كدولة للعالم.
منذ العام 1948 والعالم _ باستثناء العرب والمسلمين _ اعترف ومن ثم تعامل مع إسرائيل كدولة لليهود، على أساس التقسيم، فيما إسرائيل نفسها، تعاملت مع هذا الأمر على انه مرحلة أولى، أو انتقالية، وإلا لكانت قامت بتعريف الدولة بتلك الحدود، أو حتى بحدود خط الهدنة بعد توقف حرب العام 48 بينها وبين الدول العربية، ولما كانت قد اعتبرت احتلال القدس الشرقية "تحريراً" لها، ومن ثم ضمها رسميا واعتبارها عاصمة، كذلك لكانت عرّفت نفسها بأنها دولة لكل مواطنيها ولما احتاجت إلى الخوض في إعادة تعريف ذاتها كدولة يهودية، كل المؤشرات تدل الآن على أن اللعب في الشرق الأوسط، وتأجيج الحروب الداخلية فيه، ليس الهدف منه تحويل بوصلة الصراع عنها، فقط، ولكن لتبرير إعلانها كدولة يهودية، تقبع إلى جوار وفي منطق، دول طائفية وإثنية مختلفة.
المهم، أن إسرائيل بعد أن زرعت نحو مليون مستوطن في القدس والضفة الغربية، خلال العشرين سنة الماضية، وفي هذه اللحظة، بدأت تتعامل معهم، كما تعاملت معها سلطات الانتداب البريطاني، منذ وعد بلفور عام 17 حتى عام 48، وقد بدأت شيئا فشيئا بتصديرهم منصة المواجهة مع الفلسطينيين، حتى يظهر الصراع على انه بين يهود وعرب فلسطينيين مجددا في القدس وفي الضفة، وحتى يجبر ذلك المجتمع الدولي في لحظة ما للتدخل وتقسيم القدس والضفة بين متخاصمين فيهما على الأرض.
تسليح المستوطنين، وتشكيل العصابات المسلحة بينهم، ثم منحهم مهمة حراسة مستوطناتهم بأنفسهم، وما بدؤوا القيام به من هجوم متواصل على الفلسطينيين، كل هذا يذهب بنا بهذا الاتجاه، وقد لا يطول الوقت، حين تتأكد "دولة إسرائيل" من انه بات بمقدور "دولة المستوطنين" الدفاع عن نفسها، بما في ذلك _ ربما _ تشكيل جيش دفاع خاص بها، حتى يبدأ الجيش الرسمي بالانسحاب تاركا أمور مواجهة الفلسطينيين للمستوطنين، حينها يمكن حتى أن تعلن إسرائيل، كما فعلت بريطانيا من قبل انسحابها من الضفة الغربية، فاتحة الأبواب لحرب طاحنة بين المستوطنين والفلسطينيين، وبذلك تحقق الظفر بما تهدف إليه، وهو اقتسام القدس والضفة الغربية مع الفلسطينيين أو العرب. 
أما الحل السياسي بعد ذلك، فسيكون بإعلان المستوطنين انضمامهم لدولة إسرائيل، فيما سيترك الخيار للفلسطينيين بإعلان دولة مستقلة خاصة بهم، أو لهم أو الانضمام بدورهم لدولة الأردن.
Rajab22@hotmail.com

177

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد