لا تقتصر مخاطر الحروب على الخسائر البشرية وتدمير المدن والمنشآت، بل تمتد إلى البحار والنظم البيئية التي قد تظل تعاني آثار الصراع سنوات طويلة بعد توقف العمليات العسكرية (Military Operations). ويبرز مضيق هرمز (Strait of Hormuz) بوصفه أحد أكثر الممرات البحرية حساسية (Sensitive Maritime Passages) في العالم، نظرًا إلى أهميته الاستراتيجية والاقتصادية، وما قد يتعرض له من ألغام بحرية (Naval Mines)، وهجمات على السفن، وتسربات نفطية (Oil Spills) وملوثات خطرة (Hazardous Pollutants). وفي ظل المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تبرز ضرورة وقف الحرب والهجمات العسكرية، ومنع اتساع دائرة الصراع، والعودة إلى الحلول الدبلوماسية. فحماية البيئة البحرية لا تبدأ فقط بإزالة الألغام (Mine Clearance) ومعالجة التلوث، بل تبدأ أساسًا بمنع الأعمال العسكرية التي تهدد الإنسان والطبيعة.

مضيق هرمز: أهمية استراتيجية وبيئية
يقع مضيق هرمز (Strait of Hormuz) بين إيران وسلطنة عُمان، ويربط الخليج العربي بخليج عُمان، ومنه إلى بحر العرب والمحيط الهندي. ويبلغ عرضه نحو 39 كيلومترًا في أضيق أجزائه، بينما تتركز حركة السفن في ممرات ملاحية (Shipping Lanes) محددة. وتنبع أهميته العالمية من دوره المحوري في نقل النفط والغاز (Oil and Gas)، ما يجعل أي اضطراب أمني فيه مؤثرًا في حركة التجارة وأسواق الطاقة وسلامة السفن. ولا تقل أهميته البيئية عن أهميته الاقتصادية؛ إذ ترتبط مياهه بالنظم البيئية للخليج العربي والمياه المجاورة، التي تضم الأسماك (Pisces or Fishes ) والشعاب المرجانية (Coral Reefs) والأعشاب البحرية  (Seagrass)، إضافة إلى السلاحف (Sea Turtles) والثدييات البحرية (Marine Mammals) والطيور الساحلية (Coastal Birds). وتواجه هذه النظم ضغوطًا متعددة، من بينها التلوث النفطي والأنشطة الصناعية وارتفاع درجات الحرارة، ما يجعلها عرضة لمخاطر إضافية عند وقوع حوادث عسكرية أو تسربات ملوثة.

الألغام البحرية: سلاح خفي ومخاطر ممتدة
الألغام البحرية (Naval Mines) هي أسلحة متفجرة (Explosive Weapons) تُستخدم ضد السفن، وتختلف بحسب تصميمها وطريقة عملها. فمنها ألغام التلامس (Contact Mines)، التي تنفجر عند اصطدام السفينة بها، وألغام التأثير (Influence Mines)، التي تستجيب لمؤثرات مثل التغيرات المغناطيسية أو الصوتية أو ضغط الماء الناتج عن مرور السفن. ومن حيث موقعها، تشمل الألغام المربوطة (Moored Mines)، التي تثبت تحت سطح الماء، والألغام القاعية (Bottom Mines)، التي تستقر على قاع البحر (Seabed). وتكمن خطورتها في صعوبة اكتشاف بعضها، واحتمال استمرار تهديدها للملاحة والصيد حتى بعد توقف القتال. كما قد تشكل الذخائر غير المنفجرة (Unexploded Ordnance) والأجسام المتفجرة القديمة خطرًا إضافيًا في المناطق التي شهدت مواجهات عسكرية.

وقد يؤدي انفجار لغم بالقرب من سفينة إلى إحداث موجات ضغط (Pressure Waves) وشظايا تضر بهيكل السفينة والكائنات البحرية القريبة. وإذا تسبب الانفجار في تضرر ناقلة نفط (Oil Tanker) أو سفينة تحمل موادا كيميائية، فقد ينجم عنه تسرب نفطي (Oil Spill) أو إطلاق ملوثات خطرة إلى المياه، بما يهدد الأسماك والموائل البحرية (Marine Habitats) ومناطق التكاثر والتغذية، فضلًا عن أنشطة الصيد (Fishing Activities) ومصادر رزق المجتمعات الساحلية. ومع ذلك، تقتضي الدقة العلمية التمييز بين المخاطر المحتملة والأضرار المثبتة؛ فوجود الألغام لا يعني تلقائيًا وقوع تلوث واسع أو نفوق جماعي للكائنات البحرية. ويتطلب تحديد حجم الضرر إجراء مسوحات ميدانية وتحاليل للمياه والرواسب، وتوثيق مواقع الحوادث ومتابعة آثارها البيئية.

الحرب والتصعيد وتكلفتهما البيئية
إن استمرار الحرب والهجمات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وما يصاحبها من تصعيد وردود عسكرية وتهديدات للملاحة (Maritime Navigation)، يعرّض المدنيين والمنشآت الحيوية والموارد الطبيعية لمخاطر متزايدة. وقد يؤدي تضرر السفن أو منشآت الطاقة (Energy Facilities) إلى حرائق وتسربات نفطية وتلوث المياه والسواحل، فضلًا عن تعطيل الملاحة والصيد والإضرار بالاقتصاد المحلي والإقليمي. ومن هنا، فإن الدعوة إلى وقف الهجمات العسكرية والتصعيد ليست مجرد موقف سياسي، بل ضرورة إنسانية وبيئية. فالحروب لا تصيب أطرافها وحدهم؛ إذ قد يتحمل الصيادون والعاملون في النقل البحري والسكان الساحليون أعباءً لم يتسببوا فيها، بينما تتعرض الكائنات البحرية لمخاطر لا تستطيع تجنبها أو التعافي منها سريعًا. إن وقف الحرب، والاحتكام إلى الحوار والدبلوماسية، ومنع اتساع المواجهة، تمثل خطوات أساسية لتقليل المخاطر على الإنسان والبيئة. فإزالة الألغام ومعالجة التسربات، على أهميتهما، تظلان معالجةً للنتائج، ولا تغنيان عن منع أسباب الكارثة.

إزالة الألغام والرصد البيئي 
تتطلب إزالة الألغام البحرية (Naval Mines) فرقًا متخصصة وإجراءات سلامة دقيقة. ويمكن استخدام السونار (Sonar)، والمركبات غير المأهولة تحت الماء (Uncrewed Underwater Vehicles)، وتقنيات المسح البحري (Marine Surveying Technologies) لتحديد الأجسام المشبوهة (Suspicious Objects) ورسم خرائط لقاع البحر. كما يمكن الاستفادة من صور الأقمار الصناعية (Satellite Imagery) والاستشعار عن بُعد (Remote Sensing) في رصد بعض المؤشرات السطحية، مثل بقع النفط، مع العلم أن هذه التقنيات لا تكفي وحدها لاكتشاف جميع الألغام.

وينبغي أن تترافق عمليات الإزالة مع برنامج للرصد البيئي (Environmental Monitoring) يشمل تحليل جودة المياه والرواسب، ومتابعة التلوث النفطي، وتقييم حالة الموائل والكائنات البحرية في المناطق المتضررة. كما يجب عدم الاقتراب من الأجسام المتفجرة المشتبه بها أو محاولة تحريكها، بل ترك التعامل معها للجهات المختصة. ويُعد التعاون الإقليمي والدولي (Regional and International Cooperation) ضروريًا لتبادل المعلومات، وتأمين الملاحة، والاستجابة للحوادث البيئية، وتوفير البيانات العلمية اللازمة لتقدير الأضرار والتعافي منها. لكن هذه الإجراءات ينبغي أن تكون جزءًا من استراتيجية أوسع لمنع الحرب، لا بديلًا عن الجهود السياسية الرامية إلى وقفها.

حماية البحر تبدأ بوقف الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران
إن الألغام البحرية (Naval Mines) تذكير بأن آثار الحروب لا تنتهي بالضرورة مع توقف القصف (Bombing)؛ فقد تبقى الذخائر المتفجرة (Explosive Ordnance) في قاع البحر، مهددةً السفن والصيادين والكائنات البحرية لسنوات. وقد تتفاقم المخاطر عندما تتضرر ناقلات النفط أو المنشآت الساحلية، فتتحول المواجهة العسكرية إلى أزمة بيئية واقتصادية تتجاوز حدود الدول المتحاربة. لذلك، فإن الأولوية تتمثل في وقف الحرب والهجمات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ومنع اتساع المواجهة، والعودة إلى المسار الدبلوماسي، مع حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تثبت وفق القانون الدولي. وبالتوازي مع ذلك، ينبغي إزالة الألغام بأمان، ومراقبة التلوث، واستعادة المناطق البحرية المتضررة، وحماية مصادر رزق المجتمعات الساحلية (Coastal Communities).  فمضيق هرمز ليس مجرد ممر لنقل النفط والغاز، بل جزء من بيئة بحرية مشتركة تتجاوز أهميتها الحدود السياسية. وحماية هذه البيئة تبدأ بحماية الإنسان، وحماية الإنسان تقتضي وقف الحرب والتصعيد؛ فلا أمن بيئي حقيقي في ظل القصف والتهديد، ولا مستقبل مستدام للمجتمعات الساحلية ما دامت البحار مهددة بمخلفات الصراع.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد