استمعتُ لأحد المعلّقين الفلسطينيين على خبر صحافي قال: «إن هذا الخبر هو دعاية انتخابية إسرائيلية لليمين المتطرف» أي أنه تكتيك! أما الخبر الذي علَّق عليه المُحلِّل فهو: «أقام أكثر من سبعمائة مستوطن من حركة (نحلاه) الاستيطانية الإسرائيلية مستوطنة جديدة على أقرب نقاط حدود غزة اسمها (الرواد) يوم 16-10-2026. كثيرون أيضاً لم يتابعوا تظاهرات مستوطني قطاع غزة السابقين ممن كانوا يسكنون إحدى وعشرين مستوطنة في غزة، هذه التظاهرات جرت في تموز 2025 بالقرب من حدود غزة للمطالبة بعودة الاستيطان لقطاع غزة، كانوا يهتفون: «يجب أن نعود لمستوطناتنا، غزة لنا».
هكذا فسَّر هذا (المحلل) بأن الاستيطان تكتيك، فهو بالتأكيد لم يتابع ملف الاستيطان متابعة دقيقة، وهو في الوقت نفسه لا يعلم أن الاستيطان ليس خطة سياسية، بل فريضة دينية رئيسة، خاصة عند الحريديم، فهم يعتبرون منكري هذه الفريضة كفرة ملحدين، حتى وإن كانوا يهودا.
يؤمن أنصار حركات التيار الديني الحريدي بأن لليهودي ثلاث توبات دينية يهودية واجبة: الأولى توبة الخوف في المنفى، والثانية توبة استيطان أرض الميعاد، والثالثة توبة الحب حيث البناء والازدهار.
ما أكثر الإسرائيليين اليمينيين وبقايا اليساريين الذين لا يزالون يؤمنون بأن موت أرئيل شارون بعد مرض خطير هو عقوبة إلهية، لأنه فكك مستوطنات غزة عام 2005.
قال، بنحاس ولرشتاين مدير عام حركة يشع الاستيطانية: «أعيدوا لنا مستوطنات قطاع غزة». وقال أوفير برنر أحد مستوطني القطاع: «أبلغت أطفالي بأنني كنت أسكن مستوطنة غوش قطيف في خان يونس وهي جزء من أرض إسرائيل، ثم طُردنا منها وننتظر العودة إليها».. كان يرافق المتظاهرين عضو الكنيست ، أوري أرييل من حزب الاتحاد الوطني، وفي استطلاع للرأي جرى حول إخلاء مستوطنات قطاع غزة وجد أن 68% من الإسرائيليين نادمون على إخلائها، في مقابل 22% غير نادمين». (صحيفة «يديعوت أحرونوت» 29-7-2009)
نشرت صحيفتا «يديعوت أحرونوت» و»هآرتس» خبراً يؤكد أن الاستيطان فريضةٌ دينية يهودية: «اجتمع الحاخام دوف ليئور حاخام مستوطنة كريات أربع، والحاخام زلمان ميلاميد حاخام مستوطنة بيت إيل، والحاخام دفيد دروكوفتش حاخام مستوطنة يتسهار، والحاخام حايم شتاينر رئيس مركز هاراب الديني، وكذلك الحاخام يعقوب يوسف ابن الحاخام عوفاديا يوسف، ويعقوب كاتس عضو الكنيست وكذلك أوري أرئيل، في البؤرة الاستيطانية، متسبي أشاف وطالبوا الجنود ورجال الشرطة بعدم إطاعة الأوامر بإخلاء التجمعات الاستيطانية، وطالب المجتمعون حكومة إسرائيل بالتوقف عن قراراتها بإزالة التجمعات الاستيطانية، لأنهم ينتهكون فريضة الشريعة والتوراة، وأن نتنياهو سيسقط إذا أزال بيتاً واحداً». («يديعوت أحرونوت»، و»هآرتس» 28-5-2009م)
سأظل أذكّرُ القارئين بأن الوصول إلى رئاسة وزراء إسرائيل، وإلى رئاسة الدولة، وإلى المناصب القيادية العليا يعتمد على كفاءة هؤلاء القادة في تحقيق أمرين: الأول، هو ملف تهجير الإسرائيليين من أوطانهم السابقة واستقدامهم إلى إسرائيل، أو تطبيق (العالياه)، أما الثاني، فهو كفاءتهم في توسيع رقعة الاستيطان في أرضنا. هذان الشرطان ينطبقان على، دافيد بن غوريون، فهو قد اختار مقر إقامته في سيديه بوكر بالنقب. أما، موشيه شاريت رئيس الوزراء الثاني بعد بن غوريون من عام 1954 إلى بداية عام 1956م فهو أيضاً طبَّق الشرطين السابقين، شرط استيعاب يهود الدياسبورا، وشرط تعزيز ملف الاستيطان، كان مؤمناً بأن جوهر بقاء إسرائيل هو تعزيز فريضة الاستيطان الدينية والسياسية، فقد كان شاريت رئيساً للوكالة اليهودية المختصة بالاستيطان قبل تأسيس إسرائيل، من عام 1933 إلى عام 1948، كان يعمل على اغتصاب أكبر مساحة من الأرض الفلسطينية.
ظل الشرطان السابقان ماثلَينِ أمام كل طامح لنيل منصب كبير في إسرائيل، حتى أن نتنياهو طبق الشرطين تطبيقاً كاملاً، وهو لم يكتفِ بذلك، بل نحت مصطلحاً جديداً باللغة الإنجليزية مماثلاً لمعاداة السامية، وجعله تهمة لكل الذين يطالبون إسرائيل بوقف الاستيطان، والنحت الجديد هو (جودنرين) أي القضاء على اليهود Judenrein «أوصى نتنياهو فريق حكومته باستخدام هذا المصطلح في مجال دفاعهم عن التوسع الاستيطاني، استخدم نتنياهو مصطلح، جودنرين عندما التقى وزير الخارجية الألماني، وصف بهذا المصطلح كلَّ الذين يطالبون إسرائيل بوقف الاستيطان، فهم (جودنرين) يسعون لمحو إسرائيل عن الخارطة». («هآرتس» 10/7/2009)
حتى أفيغدور ليبرمان المهاجر من الاتحاد السوفياتي السابق طبق الشرطين السابقَين ليحظى بعدة مناصب رفيعة كوزير للجيش، والمالية، والخارجية، لأنه أنجز خلال فترة ولايته عام 2016م مدة 28 شهراً أكبر عملية استيطان، قلَّد ليبرمان بن غوريون، سكن في مستوطنة نيكوديم المغتصبة من أراضي عرب التعامرة جنوب شرقي محافظة بيت لحم ، ثم وافق على بناء 6363 وحدة استيطانية، وقد مدحه زعماء الاستيطان مثل، حجيت غوفران مراقب حركة الاستيطان، قال عنه: «ليبرمان رجل الاستيطان الأول، خاصة في الخليل، بنى لنا إحدى وثلاثين وحدة استيطانية، دون أن يبلغ نتنياهو رئيس الوزراء». قال داني دايان رئيس مجلس يشع الاستيطاني في الضفة الغربية: «إن تأسيس دولة فلسطينية مستحيل، إن انتصار ليبرمان هو انتصار للحركة الاستيطانية، إن شاس واتحاد التوراة لا يدعمان اتفاقية أوسلو ولا يدعمان الانسحاب من غزة عام 2005، إن الأيدلوجية اليسارية قد انتهت. (اقتباس من «يديعوت أحرونوت» 13/2/2009)
امتنع الرئيس أوباما عن استخدام حق الفيتو ضد قرار مجلس الأمن على الاستيطان عام 2016. رقم القرار 2334 ووافقت عليه أربع عشرة دولة، امتنعت فقط أميركا عن التصويت كتحذير لإسرائيل، لم يستخدم أوباما حق الفيتو لإلغاء القرار، ما ساعد على تمرير قرار مجلس الأمن الدولي بمطالبة إسرائيل بوقف الاستيطان فوراً في الضفة الغربية و القدس الشرقية، اعتبر هذا القرارُ جميعَ المستوطنات غير شرعية.
شنّ داني دايان رئيس مجلس يشع الاستيطاني في صفحة يشع الإلكترونية، يوم 4/6/2009 هجوماً على الرئيس أوباما وصفه بأنه: «إرهابي سياسي» يقود معسكر الإرهاب ضد إسرائيل، واعتبر دايان أن تجاهل أوباما لتعهد الرئيس بوش الجمهوري في نيسان 2004 بالمحافظة على منظومة الاستيطان، وفرض الفيتو على كل قرار يعارض الاستيطان هو إرهاب سياسي».
كذلك فإن كثيرين من رواد الفضائيات الطارئين لا يقرؤون إحصاءات الاستيطان ليعرفوا أن نسبة مئوية كبيرة من المستوطنين يحملون الجنسية الأميركية، وأن هناك ستين ألف مستوطن يحملون الجنسية الأميركية.
المُحاضرة سارة ياعيل هيرشورن، وهي أستاذة في جامعة أوكسفورد وباحثة في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات العربية الإسرائيلية، قالتْ في مؤتمر (ليمود) (Limmud) الذي عُقد يوم الجمعة 28/8/2015 نشرت تفاصيله حركة السلام الآن: «إن عدد المستوطنين، ممن يحملون الجنسية الأميركية، ويسكنون الضفة الغربية يبلغ ستين ألف مستوطن، أي أنَّ نسبتهم هي 15% من مجموع مستوطني الضفة الغربية، البالغ عددهم أربعمائة ألف مستوطن. كما أن هؤلاء حاملي الجنسية الأميركية ليسوا كلهم يمينيين متطرفين، بل إن فيهم يساريين يدعمون الصهيونية، وهم عازبون، وصغار السن، ومثقفون، ويصوتون للحزب الديمقراطي». قالت عنات بن نوعم مسؤولة العلاقات الخارجية في حركة السلام الآن: «إن الاستيطان لم يعد قضية داخلية إسرائيلية، بل هو قضية خارجية أيضاً، إن ستين ألف مستوطن يحملون جنسية أميركا يجعلون حل الدولتين مستحيلاً».

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد