رغم أن المؤشرات كافة تتجه نحو تأجيل الانتخابات، خاصة بعد ما رشح من معلومات عن توافقات بين حركة فتح وعدد من القوى الفلسطينية بشأن مصيرها، ما زال هناك من يصرّ على تأكيد إجرائها ويدعو إلى عقدها في موعدها، وكأن الظروف المحيطة بها لا تنطوي على عقبات ومخاطر تجعل إجراءها بالغ الصعوبة، إن لم يكن متعذراً في ظل المعطيات الراهنة.

ولا أفشي سراً إذا قلت إن الجميع يعرف أن الشروط السياسية والميدانية التي أُحيطت بهذه الانتخابات كانت واضحة منذ الإعلان عنها، وأن ما استجد من تطورات لم يبدد المخاوف، بل زادها تعقيداً. لذلك، فإن إعادة طرح الانتخابات وكأنها استحقاق قابل للتحقق بمجرد تكرار الدعوة إليها، تنطوي على استخفاف بعقول الناس وحقهم في معرفة الحقيقة كما هي، لا كما يرغب البعض في تصويرها.

إن استمرار الدوران في هذه الحلقة المفرغة، بين الدعوة إلى الانتخابات والتأكيد على التمسك بإجرائها، ثم الذهاب نحو تأجيلها، رغم أن الظروف والعقبات التي أحاطت بها لم تتغير، يجعل المشهد أقرب إلى المسخرة السياسية التي لا يجوز أن تسود في الحياة الوطنية الفلسطينية. فليس مقبولاً أن تبقى الانتخابات معلّقة بين وعود الإجراء واحتمالات التأجيل، وأن يستمر التعامل معها وكأنها مجرد مواقف للاستهلاك الإعلامي أو المناورة السياسية، لا استحقاقاً ديمقراطياً يتصل بحقوق شعبنا ومستقبله السياسي. إن احترام عقول الناس يقتضي الخروج من هذه الحلقة، ومصارحتهم بالحقيقة، والانتقال من تكرار المواقف إلى معالجة الأسباب الفعلية التي تحول دون إجراء انتخابات حقيقية.

إن الصدق السياسي يقتضي تسمية الأشياء بمسمياتها، ومصارحة شعبنا بحقيقة ما يعتري العملية الانتخابية من مخاطر وصعوبات، بعيداً عن الشعارات التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ. فليس من الحكمة إبقاء الناس في حالة انتظار وترقب، فيما تتراكم المؤشرات التي تدفع باتجاه التأجيل، وليس من المسؤولية الإيحاء بإمكانية إجراء الانتخابات دون معالجة الأسباب التي تهدد نزاهتها وشموليتها.

لقد تناولنا في مقالات سابقة قضية الانتخابات من زوايا متعددة، وأكدنا أن الاعتراض على إجرائها في ظل الظروف والشروط الراهنة لا يعني رفض الانتخابات من حيث المبدأ، ولا التنكر لحق المواطنين في اختيار ممثليهم، بل يعني الحرص على ألا تتحول إلى إجراء شكلي، أو محطة تُستثمر سياسياً دون أن تسهم في إنهاء الانقسام واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس المضي في مسار تحيط به المخاطر ثم البحث عن مبررات لتأجيله، وإنما التحلي بالشجاعة السياسية لمراجعة هذا المسار، والاتفاق وطنياً على توفير الشروط الضرورية لإجراء انتخابات حقيقية تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة و القدس ، وتضمن حرية الترشح والدعاية والاقتراع، وتحترم إرادة الناخبين، وتعيد الاعتبار للمشروع الوطني والمؤسسات الوطنية الجامعة.

إن الصدق السياسي ليس ترفاً، ولا موقفاً تكتيكياً يُستخدم عند الحاجة، بل هو أساس الثقة بين القوى السياسية وشعبها. وإذا كانت المؤشرات تقود إلى التأجيل، فإن الأجدر هو مصارحة الناس بذلك، قبل الذهاب إلى تبرير التأجيل أمام الدول التي مارست ضغوطاً باتجاه إجراء الانتخابات، والمضي بجدية ومسؤولية نحو معالجة الأسباب التي تعيقها، واتخاذ إجراءات فعلية وملموسة يتطلع إليها الناس في مختلف المجالات، بدلاً من استنزاف مزيد من الوقت في جدل يعرف الجميع نهاياته المحتملة.

فالمسؤولية الوطنية لا تُقاس بارتفاع الصوت في الدعوة إلى الانتخابات، بل بالصدق في تهيئة شروط إجرائها، والالتزام بإرادة الشعب، وعدم تحويل حقه الديمقراطي إلى وعد مؤجل أو شعار للاستهلاك السياسي.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد