إذا كانت التلمودية السياسية كانعكاس مباشر غالباً للتلمودية الأيديولوجية تعني في واحدة من أهم زواياها أو مضامينها إقامة «إسرائيل الكبرى» استناداً إلى حقوق إلهية مُنحت لشعب تم اختياره. تماماً كما مُنحت له رخصة قتل أعدائهم والفتك بهم واستعبادهم، وامتد مفهوم الاستعباد ليشمل كل من «الأغيار»، فمن الطبيعي أن ينظر إلى نتنياهو وجماعته من هذا الجانب تحديداً قبل أن يُنظر إليهم من أي جانب آخر.

أقصد أننا هنا لسنا أمام تُهمة تُرمى في وجه دولة الاحتلال، أو في وجه معظم جماعات اليمين بشتى أشكالهم وتشكيلاتهم بقدر ما أن هذا الوصف والتوصيف (وهو حالة من التشخيص في الواقع). هو بمثابة تقرير وقراءة في ادعاءات مُعلنة من قبل الدولة الصهيونية ومن قِبل معظم مكوناتها الصهيونية، ولا يتعلق الأمر بنفي هذه التهمة أو التبرؤ منها، وإنما بشرف ادعائها والتأكيد عليها.

سنعود إلى هذا كله بعد قليل، أما، الآن، فدعونا ننتقل إلى ماهية الحركة الصهيونية من زوايا تتعلق بهذا الأمر تحديداً في محاولة للتشريح السياسي بمبضع المنهاج التاريخي وعلم الاجتماع السياسي والعلوم الاجتماعية الأخرى.

التوراتية والتلمودية الفكرية لم تتحول إلى مشروع سياسي قبل نشأة الحركة الصهيونية، وعليه فإن الحركة ليست سوى تلك الحركة التي نقلت اليهود كتجمعات كانت في معظم المراحل منعزلة في «الغيتو» اليهودي سواء في العصور الوسطى أو الحديثة، إلى تجمع رئيس واحد في العصر الحديث عندما نضجت «الظروف التاريخية» لهذا الانتقال.

نعرف بقية الحكاية هنا من نشأة الحركة القومية الأوروبية وتطورها، ومن مصالح البرجوازية الصاعدة فيها بالتخلص من «العبء» اليهودي، ومن مصالح البرجوازية في هذا السياق بالسيطرة عليهم، ومن الدعم الغربي لفكرة المشروع الصهيوني من موقع مصالح الغرب الاستعمارية في المنطقة.

هذا الواقع على أهميته لا يُفسر ولا يحتوي على كل الأبعاد التي انطوى عليها الدور الذي اضطلعت به الحركة الصهيونية، ولا يغطي سوى بعض الجوانب من هذا المشروع، وليست هي الجوانب الأهم بالضرورة من منظور بعض التيارات في هذه الحركة، فكراً وممارسة.

من بين مئات وربما آلاف المصادر التي عالجت دور ومكانة الحركة الصهيونية في التطور الحديث لليهود واليهودية تبرز مؤلفات الخبير الفلسطيني الأول في هذا الإطار صبري جريس، ومؤلفات الدكتور عبد الوهاب المسيري، وكذلك أطروحات الدكتور فوزي البدوي من تونس من المصادر العربية.

وفي حين تركزت أطروحات صبري جريس على التاريخ السياسي والتنظيمي للحركة الصهيونية فإن المسيري ركز على البنية الفكرية لهذه الحركة، في حين تكثفت أبحاث ودراسات البدوي على اليهودية والتيارات اليهودية الأوروبية.

اقصد أن جريس يشرح لنا ماذا حدث وكيف حدث المشروع، ويُفسر المسيري البنية الفكرية التي تقف في خلفية المشروع، في حين يركز البدوي على دور الحركة كمنتوج لليهودية الأوروبية.

وداخل هذه المركبات المتداخلة وليست المتتالية بالضرورة، يصبح الحكم على شخصيات مثل أبراهام كوك الذي أنتج الصهيونية الدينية القومية الجديدة، وتيودور هرتزل الذي أنتج الصهيونية السياسية. ثم وايزمان وقبله بنسكر اللذين انتجا تيار الصهيونية العملية، وزئيف جابوتنسكي الذي طور الصهيونية التصحيحية، ثم أخيراً بن غوريون والصهيونية العمالية، يصبح ممكناً فهم الجانب الآخر أو الجانب الخاص في الصهيونية الراهنة من وجهة نظر التيارات القومية والدينية في آخر طبعة ونسخة منها.

والخلاصة هنا أن الفكر القومي الديني العنصري المتطرف هو امتداد وخليط مركب، وحصيلة خاصة من معظم التيارات الصهيونية التي سبقت المرحلة الراهنة لكن السمة الرئيسة فيها هي تحول المشروع من مشروع بذاته إلى مشروع لذاته.

أي أن المشروع الصهيوني كما يراه اليمين القومي الديني الذي يتزعمه نتنياهو، لم يعد فقط أو لم يعد يكتفي بأن يكون أداة وقاعدة متقدمة للغرب أو شريكاً مقاولاً مع هذا الغرب، وإنما - وهذه هي السمة الجوهرية الجديدة التي يعبر عنها هذا التيار - مشروع خاص ومستقل يعتمد على ذاته إذا لزم الأمر، وليس فقط على وظيفته، قائم لذاته حتى ولو أُجبر على التقوقع والانعزال عن بيئته المساندة. وهي البيئة التي رعته وحمته وساندته وساهمت بنشأته وتطوره وفي تفوقه، وحصّنته ودافعت عنه في كل الظروف، وفي كل الأحوال تحت مسميات وذرائع شتى، من الاضطهاد لليهود واللاسامية إلى الظلم التاريخي وغيرها.

وهكذا يتزعم نتنياهو مشروعاً متكاملاً لهدم الدولة القديمة التي كانت حصة المشروع الخاص فيها هي الحصة الثانوية بالمقارنة مع الحصة الكبرى المستمدة من الدور الوظيفي للدولة في خدمة المصالح الغربية، وكقاعدة متقدمة لهذه المصالح، وكيد ضاربة في الإقليم لتأمين هذه المصالح، وضمان المصالح المشتركة مع الغرب الرأسمالي.

والجدير بالتأكيد عليه هنا أن الكثيرين منا، ومن المجتمع الإسرائيلي أيضاً ما زالوا يفكرون بأن السير المغامر للتيار الذي يتزعمه نتنياهو إنما يأتي في إطار وفي سياق الدفاع عن مصالح شخصية قبل الاعتبارات الخاصة بالمشروع السياسي لهذا التيار، وقبل الأهداف البعيدة أو المتوسطة لهذا المشروع والتي تتمثل في فرض المشروع على هيئة «إسرائيل الكبرى»، ومهما كلف الثمن، بما في ذلك المغامرة «بالدولة القديمة»، والانعزال في قلعة جديدة أشار إليها نتنياهو نفسه عندما لم يتردد بطرح القلعة الإسبارطية.

لا يمكن إسقاط الاعتبارات الشخصية بطبيعة الحال، لكن إسقاط الاعتبارات الخاصة بالمشروع الذي يطمح بتحقيقه، هو ــ كما أرى ــ قصور فكري وسياسي على أعلى درجات الخطورة.

وإذا كان نتنياهو قادراً على التلاعب بأقرب حلفائه خدمة لاعتباراته الخاصة، فهو لن يفعل ذلك إلا إذا فقد الثقة، أو خسِر الرهان أو ارتبكت حساباته، وهو سيعاود الكرة من جديد طالما توفرت أي فرصة، ومهما كانت صغيرة أو ضعيفة أو محدودة.

أقصد أن مسار التطور أو الانتقال من التلمودية السياسية نحو الإسبارطية ليس خدعة سياسية، ولا مناورة إعلامية كما يرى البعض، وهو بعض كثير وكبير، وإنما هي إستراتيجية حقيقية من لحم ودم، لم يكن الانقلاب القضائي، وحرب الإبادة سوى المراحل الأولى من المشروع، وهذا التيار مهّد لهذا المسار كل الأرضيات المطلوبة.

وحتى لو اختفى نتنياهو عن المسرح السياسي لسبب أو لآخر فإن هذا التيار سيواصل هذا المسار حتماً. وحينها فإن الفرق الوحيد أن هذا المسار لن يغامر بالدولة القديمة فقط، وإنما لن يتردد بالوصول إلى مرحلة الشمشونية السياسية، والصِدام مع مصالح الغرب وليس مجرد الاستغناء عن دعم هذا الغرب، وليس مجرد الذهاب إلى العزلة والتقوقع الإسبارطي. وهذا المسار بالذات هو مسار الخطيئة الثالثة لأن مآله هو الفشل بسبب انهيار شُروط تحققه التاريخية والعملية، وهو ما سنعالجه في المقال القادم.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد