مع استمرار حرب الإبادة على غزة لقرابة ثلاثة أعوام وابتلاع الأراضي وضم الضفة الغربية الذي يتم كسياسة أمر واقع وانغلاق أي أفق سياسي محتمل يعيد التركيز على فرض الدولة الفلسطينية وإن كانت على أقل من ٢٠ بالمائة من أرض الآباء، ثمة حاجة وطنية ماسة لخارطة طريق وطنية تتجاوز أطر الوضع القائم وتسعى لوضع مسارات جديدة للعمل الوطني ترتكز على جوهر النضال المشروع المضاد الذي خاضه شعبنا في وجه الإزاحة والإحلال والمتمثل في البقاء على الأرض وبموازاة ذلك إبقاء القضية مستمرة وحاضرة.
خارطة يشارك الكل الفلسطيني في صياغتها على قاعدة إنقاذ ما يمكن إنقاذه وإنجاز ما يمكن إنجازه والحفاظ على القضية.
بالطبع فإن الإبقاء على القضية حية وحاضرة ليس هدفاً بحد ذاته، إذ إن استعادة الحقوق هي الهدف، ولكن لأن جزءاً من المشروع الصهيوني، إن لم يكن جوهره، قام على تصفية القضية الفلسطينية وتذويبها وإماتتها بالتقادم فإن الإبقاء على القضية حاضرة يشكل استمراراً للمطالب الوطنية بإنجاز الحقوق واستعادة البلاد.
يروي الدكتور نبيل شعث في مذكراته عن ياسر عرفات قوله لمجموعة عيلبون حين أخبروه أن القنبلة «العصملية» القديمة التي أخذوها معهم لتفجير نفق عيلبون لن تفجر النفق ولن توقف تحويل مياه نهر الأردن بل لن تعمل أكثر من «بوف»، «إن هذا البوف هو ما يريد لكل العالم أن يسمعه».
العملية بالطبع نجحت في مهمتها وأوقفت المشروع لكن أيضاً ظلت الطلقة الفلسطينية تعلن عن استمرار كفاح الشعب الفلسطيني بعد أن تم خطف القرار الوطني بعد النكبة .
وإذا كان ثمة حاجة حقيقية لصياغة خارطة طريق وطنية فإن ثمة حاجة لحوار وطني جامع قائم على الإدراك المشترك لطبيعة اللحظة الراهنة، وللورطة التي تمر بها القضية الوطنية والمأزق الذي يشكل انغلاقاً أمام النضال والكفاح الوطنيين.
لماذا يبدو هذا الإدراك الجمعي مهماً؟ ببساطة لأن لا أحد يمكن أن يعفي نفسه من المسؤولية عما آلت إليه الحالة الوطنية.
صحيح أن الإنسان قد لا يكون مذنباً لأنه لم يتسبب بالخطأ لكنه لن يكون بريئاً طالما واصل السير في الطريق، وفق تفسير وجودي.
الحالة الوطنية لا تسر صديقاً ولا تغيظ عدواً وهي موجعة لشعبنا بشكل كبير.
إن نظرة للواقع الفلسطيني في الجغرافيا المختلفة تكشف عمق الأزمة، وأظن أن «لعبة» التلاوم لا تفيد شعبنا كثيراً والخطابة الرنانة من القصور والفنادق والعواصم لن تجلب أي منفعة.
كل الأطراف الفلسطينية ليست طرفاً في تقرير مصير غزة بعيداً عن مجاملات كوشنير للسلطة لأن ما يجري على الأرض يقول عكس ذلك تماماً، ومن غير المؤكد إذا كان سطر في خطة ترامب يعني لرجل الصفقات شيئاً.
في المحصلة من لم يكن جزءاً من المدخلات لن يكون جزءاً من المخرجات.
في لغة السياسة فإن الوعود ليست أكثر من بروتوكول ومجاملة، وليس في مكان آخر أكثر من الصياغات السياسية تكون اللغة فعلاً حمّالة أوجه.
كما أن العلاقة مع غزة بحاجة لإعادة صياغة على قاعدة أن غزة تشكل جوهر استمرار النضال الوطني وعليه فالتعامل معها يجب أن يرتكز على الحقوق والمطالب وتصويب السياسات والأخطاء حيث توجد. وعليه ففكرة الضغط الوطني لتفكيك لجنة ميلادينوف وتشكيل لجنة وطنية بمرسوم رئاسي يجب أن تشكل اشتباكاً حقيقياً. كما أن ترف الخطابة لم يعد ينفع شعبنا وادعاء النصر وبلاغة الاحتفال بمعارك وهمية لن تنطلي على طفل صغير في غزة، والاعتراف قد لا يزيل الاقتراف لأن حجمه كبير ولكن على الأقل ي فتح باباً وطنياً أو نافذة صغيرة في جدار الجمود الوطني الذي نعيشه.
على حماس تحديداً أن تتوقف عن بيع الوهم للشعب وتسويق انتصارات غير موجودة والإقرار بالواقع ونتائجه والتصرف وفق هذا الواقع.
إن اللهاث وراء كوشنير وميلادينوف من أجل دور في لجنة غزة ومجلس السلام حتى بعد تسليم حماس للسلاح الذي لم تعد تقاتل فيه إن وجدت ترسانة عسكرية سرية لم تظهر في المعركة بعد، لن يجلب لها رضا واشنطن.
والمصافحات أمام الكاميرات لن تغير شيئاً في حياة الناس في غزة.
هل يختلف الوضع في الضفة كثيراً؟ الإجابة يعرفها الجميع، فالاستيطان يبتلع كل شيء، ومستوطن يخرج للتنزه يمكن له أن يغلق شارعاً يربط بين شمال الضفة ووسطها، والمواطن الفلسطيني غير آمن على حياته، والاقتصاد بسبب الخنق المتواصل والمقاصة المحتجزة والحواجز وتعطل المصالح ينكمش يوماً بعد آخر ويتراجع بشكل مخيف.
والمجتمع الدولي تقريباً نفض يده ورفعها عن العملية السلمية فقد اكتشف أنه لا يمكن له أن يضغط على إسرائيل بشيء حتى حين اعتقلت ونكّلت بالمواطنين الأوروبيين؛ ومنهم أعضاء برلمان أوروبي.
ورغم موجة التضامن والوعي التي أحدثتها دماء الأبرياء في غزة فإن التحول لم يتم استثماره إلا بالاعتراف دون الانتقال لما يترتب عليه من استحقاقات وواجبات يمكن استثمارها في المعركة الدبلوماسية ضد إسرائيل.
وكما كتبت على هذه الصفحة قبل عام ونيف إن التضامن هو ضد ما يجري بحق شعبنا في غزة وليس مع مطالبنا الوطنية.
العالم الغربي مصدوم من وقاحة إسرائيل. يومها قلت إن هذا التضامن مع الضحية وليس مع القضية.
إن جوهر أي خارطة طريق وطنية يجب أن يستند إلى وعي ليس خارج الصندوق بل وعي من داخل الصندوق، فالتفكير من داخل الصندوق لا يعني بالضرورة إعادة إنتاج الأخطاء وتبني النماذج المجربة، بل يعني أيضاً فهماً لطبيعة المشكلة من داخلها. تكمن مشكلتنا أننا جميعاً نزعم دراية بالواقع فيما نفكر من خارجه ووفق معطيات لا علاقة لها بالظروف الحقيقية التي يعيشها شعبنا.
الخارطة يجب أن تكون على قاعدة وحدانية التمثيل تحت مظلة منظمة التحرير وصياغة أهداف مشتركة للنضال الوطني.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
