لم يكن فوز النساء الفلسطينيات بنسبة 20% في المجلس الثوري لحركة حركة فتح مجرد تفصيلٍ انتخابي أو استحقاقٍ تنظيمي عابر، بل بدا وكأنه لحظة سياسية وأخلاقية تحمل في جوهرها سؤالاً عميقاً عن معنى الشراكة الوطنية في زمنٍ فلسطيني مثقل بالخسارات والتحولات.
فالمرأة الفلسطينية، التي دفعت أثمان النكبة والحصار واللجوء والحرب، لم تعد تنتظر مقعداً يُمنح لها بوصفه "مكرمة تنظيمية"، بل أصبحت تفرض حضورها بوصفها شريكاً أصيلاً في صناعة الوعي الوطني والقرار السياسي معاً. ومن هنا، فإن وصول ست عشرة امرأة إلى المجلس الثوري لا يمكن قراءته باعتباره مجرد "كوتا"، بل باعتباره انعكاساً لتحولٍ بطيء لكنه مهم في بنية التفكير السياسي الفلسطيني.
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية، منذ البدايات الأولى للثورة، أن النساء لم يكنّ هامشاً في الحكاية الوطنية. المرأة الفلسطينية حملت البندقية والرسالة، ووقفت في طوابير الخبز والماء، وذاقت مُرَّ المعتقلات والمنافي، وربّت أجيالاً كاملة على فكرة الوطن الذي لا يموت. لكنها، رغم ذلك، بقيت لسنوات طويلة أقل حضوراً في دوائر القرار الذكوري مقارنة بحجم تضحياتها، ودورها الاجتماعي والسياسي والوطني.
من هنا تكتسب هذه الخطوة أهميتها الجندرية، لأنها تُعيد مساءلة البنية التقليدية التي احتكرت السياسة بصورتها الذكورية الصلبة. فوجود النساء داخل المجلس الثوري لا يعني فقط "تمثيل النساء"، بل يعني إدخال خبرات مختلفة إلى عقل المؤسسة السياسية والتنظيمية: خبرة الأم التي تعرف معنى الفقد، وخبرة الناجية التي تفهم هشاشة المجتمع، وخبرة المناضلة التي تدرك أن التحرر الوطني لا ينفصل عن العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
وفي السياق الفلسطيني تحديداً، يُصبح البعد الجندري جزءاً من المشروع الوطني نفسه. فمجتمع يقاوم الاحتلال، لكنه يعجز عن توسيع مساحة العدالة داخل مؤسساته، سيجد نفسه أمام تناقض أخلاقي عميق. لذلك فإن تمكين النساء سياسياً ليس ترفاً حقوقياً أو تنظيمياً، بل ضرورة وطنية لإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على أسس أكثر تمثيلاً وحداثة.
لكن، في المقابل، لا ينبغي الاكتفاء بالاحتفاء بالرقم وحده. فالتحدي الحقيقي يبدأ بعد الانتخابات، لا قبلها. السؤال الأهم ليس: كم امرأة وصلت؟ بل: هل ستملك النساء مساحة فعلية للتأثير في القرار السياسي والتنظيمي؟ وهل سيُنظر إليهن بوصفهن قيادات كاملة الأهلية، أم مجرد صورة تجميلية لخطاب التحديث؟
إن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل هذا الحضور النسوي من حضور رمزي إلى قوة اقتراح ومساءلة وتأثير. فالمطلوب اليوم ليس "تأنيث المشهد" بصريًا، بل إعادة صياغة الثقافة السياسية ذاتها؛ ثقافة تؤمن بأن الكفاءة لا جنس لها، وأن الوطن الذي تتشارك النساء في حمايته، يجب أن يتشاركن أيضًا في رسم مستقبله.
وربما تحمل هذه اللحظة دلالة أعمق في زمن الحرب الفلسطينية المفتوحة؛ ففي الوقت الذي تنهار فيه البيوت فوق أجساد الأمهات، وتتحول النساء إلى حارسات للحياة وسط الركام، يصبح وصولهن إلى مراكز القرار بمثابة اعتراف متأخر بأن من يحمل عبء النجاة اليومية، يستحق أيضًا أن يشارك في صياغة المصير الوطني.
إن المرأة الفلسطينية لم تعد تطلب مكاناً في المشهد، لقد أصبحت جزءاً من تعريف المشهد نفسه.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
