في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية الكبرى، تبدو غزة أكثر من مدينةٍ محاصرة أو جغرافيا منكوبة؛ تبدو نصًا فلسطينيًا مفتوحًا على الألم والصمود معًا، مدينةً تُعيد كل يوم تعريف معنى البقاء، وتكتب حكايتها بمداد الدم والذاكرة، كما لو أنها تُجسد ما كتبه محمود درويش حين قال: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». ففي غزة، لا تتحول العبارة إلى استعارة شعرية، بل إلى ممارسة يومية في مواجهة الإبادة والحصار والموت المستمر.
هنا، لا يبدو البحر مجرد أفقٍ أزرق، بل شاهدًا صامتًا على مدينة تعيش بين احتمالين دائمين: النجاة أو الفقدان. مدينة تُقاوم الغياب، فيما العالم يراقبها كخبرٍ عاجل، بينما يراها الفلسطينيون بوصفها قلب الحكاية الوطنية الأكثر وجعًا والأشد وضوحًا.
غزة، أقدم المدن الفلسطينية على ساحل المتوسط، لم تكن يومًا هامشًا جغرافيًا. فمنذ آلاف السنين شكّلت بوابة فلسطين البحرية وممرًا للحضارات والتجارة والثقافات. غير أن هذا الموقع ذاته جعلها، عبر التاريخ، عرضةً للحصار والغزو ومحاولات الإخضاع المتكررة. لكنها، في كل مرة، كانت تنهض من الرماد كما لو أنها خُلقت لتختبر معنى الصمود الإنساني.
ومع نكبة عام 1948، تغيّرت ملامح المدينة جذريًا. تدفقت إليها موجات اللاجئين الفلسطينيين من القرى والمدن المدمرة، فتحولت غزة إلى ملاذٍ للفقد الجماعي، وإلى ذاكرة وطنية مكتظة بالاقتلاع والحنين. منذ ذلك الحين، لم تعد غزة مجرد مدينة، بل أصبحت مخيمًا فلسطينيًا كبيرًا للذاكرة، تختلط فيه أسماء القرى المهجّرة بأسماء الشوارع والأحياء وأحلام الناس البسطاء.
ولعل الشاعر الفلسطيني معين بسيسو، ابن غزة، كان من أكثر من عبّروا عن روح هذه المدينة، حين كتب عن الفقراء والمنفيين والمقهورين الذين يصنعون الحياة من قلب العتمة. فغزة التي كتبها بسيسو ليست مدينةً منكوبة فقط، بل مدينة مشتبكة دائمًا مع الحرية، تعرف كيف تُحوّل الخبز القليل إلى كرامة، والحصار إلى سردية مقاومة.
وفي العقود الأخيرة، تعرّضت غزة لسلسلة طويلة من الحروب والحصار والعمليات العسكرية التي أعادت تشكيلها بالقوة والنار. غير أن ما يلفت النظر ليس حجم الدمار وحده، بل تلك القدرة المذهلة لدى الناس على ترميم الحياة في كل مرة. فبين الأبنية المهدمة، تستمر الأسواق بالعمل، وت فتح المدارس أبوابها، وتواصل الجامعات تخريج أجيال جديدة تؤمن بأن المستقبل ليس ترفًا مؤجلًا، بل حقًا يجب انتزاعه.
هذا التناقض بين الموت والحياة هو ما يجعل غزة حالة إنسانية فريدة. مدينة تُنتج الحياة من داخل الركام، وتحمل في تفاصيلها اليومية ما يشبه قصائد فدوى طوقان التي رأت في فلسطين أمًا جريحة لا تتوقف عن الولادة، وما يشبه صرخات سميح القاسم وهو يكتب عن التمسك بالأرض والهوية في مواجهة الاقتلاع.
ورغم الدور الإنساني الذي تقوم به المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا )، فإن الحياة في غزة ما تزال محكومة بتعقيدات سياسية واقتصادية وأمنية تجعل البقاء نفسه معركة يومية. ومع ذلك، يواصل الغزيون اختراع أشكالهم الخاصة للحياة: من الباعة المتجولين إلى الصيادين، ومن الأطفال الذين يركضون بين الأزقة إلى الأمهات اللواتي يخبزن الأمل مع الخبز.
اقتصاديًا، كانت غزة تاريخيًا مركزًا زراعيًا وتجاريًا مهمًا، يعتمد على الزراعة الساحلية والتجارة عبر المتوسط والصناعات الصغيرة. لكن سنوات الحصار الطويلة أضعفت البنية الاقتصادية وأدخلت المجتمع في أزمات متلاحقة، دفعت الناس للاعتماد على المبادرات الفردية والاقتصاد غير الرسمي كوسيلة للبقاء.
ومع ذلك، فإن ما يميز غزة حقًا ليس حجم المأساة، بل قدرتها المستمرة على إعادة تعريف نفسها. فهي لا تُختصر في صور الحرب والدمار، بل في قدرتها على تحويل الألم إلى ذاكرة، والذاكرة إلى هوية، والهوية إلى فعل مقاومة يومي. وكأنها تُعيد، كل يوم، كتابة الرواية الفلسطينية بلغة البشر العاديين الذين يرفضون الاستسلام.
وفي الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، تبدو غزة وكأنها المرآة الأكثر قسوة وصدقًا لفلسطين كلها: وطنٌ يُحاصر لكنه لا يختفي، شعبٌ يُقتلع لكنه لا يفقد ذاكرته، ومدينةٌ تُصرّ، رغم كل شيء، على أن تكون أكثر من ضحية وأكثر من رقم في نشرات الأخبار. إنها مدينة تكتب البقاء كل يوم، وتُعلّم العالم أن الفلسطيني، حتى وهو محاصر بين البحر والركام، ما زال قادرًا على صناعة الحياة.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
