في العادة، والمعروف أن مؤتمرات الأحزاب والحركات الكبرى، تشكل انعطافة، في دورها، وبرامجها، خصوصاً أن المساحة الزمنية بين مؤتمر وآخر متباعدة، بالقدر الذي ينطوي على تحديات تستوجب التجديد والتطوير.

وعلى نحو الخصوص، تشكل مثل هذه المناسبات في الساحة الفلسطينية مضامين استثنائية، بالنظر لطبيعة التحولات والمتغيرات، والتداعيات الناجمة عن صراع لا يزال يتجه نحو المزيد من الحدة والخطورة على الشعب والقضية الفلسطينية.

عند الحديث عن حركة بحجم ودور حركة «فتح»، يتخذ الأمر طابعاً ينطوي على آمال كبيرة، تستحضر تاريخها المجيد في قيادة الحركة الوطنية والكفاح الفلسطيني من أجل تحقيق الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني.

حركة «فتح» تأسست على فكرة مبدعة، فلقد عكست واحتوت كل أطياف الشعب الفلسطيني الاجتماعية، فكانت فعلاً أمّ الشعب وعنوان تعايش الأفكار والاختلافات، مهما كان نوعها.

المؤتمر الثامن انعقد وأنهى أعماله، في ظروف غاية في الاضطراب والتعقيد والخطورة، بما تطلب من المؤتمرين أعلى درجات المسؤولية الوطنية، والإجابة عن أسئلة الواقع والوقائع التي تحيط بالقضية الفلسطينية من كافة جوانبها في ظل عدم اليقين الذي يشمل إقليم الشرق الأوسط.

أعلم أن الكتابة حول المؤتمر، قبله، أو بعده، لا تنطوي على أي قدر من الأهمية، الفصائل عموماً ومن بينها حركة «فتح» لم تتعود على فحص الأفكار والنصائح والانتقادات التي تطرحها فصائل أخرى أو كتّاب أو باحثون مهما بلغت أهمية تلك الأفكار.

هذه العادة لم تتبدل، ومن غير الممكن أن تترك أي كتابات أو تعليقات أو انتقادات لنتائج المؤتمر أيّ أثر على صناع القرار، ولو كان ثمة اهتمام، لكانت هناك مؤسسات بحثية كجزء من هيكلية وآليات صنع السياسات، ولذلك فإن الكتابة في هذا الشأن إما أن تتخذ طابع التحريض والتعريض والنقد انطلاقاً من مواقف مسبقة وخصومات سياسية، وإما أنها تنطوي على احتفالية، وما بين هذا وذاك، ثمة من تأكله الحسرة، فيكتب فقط انطلاقاً من ضرورة التعليق على حدث كبير.

إذا تجنبنا، ومن غير المقبول أن يتجنب أحد، فرداً كان أو فصيلاً، الاضطراب العميق والواسع الذي يجتاح إقليم الشرق الأوسط وفي القلب منه فلسطين، فإن ثمة وقائع رافقت انعقاد مؤتمر «فتح»، لا يمكن تجنب أبعادها وما ترمي إليه.

أُولى هذه الوقائع، ما قام به بن غفير على رأس آلاف المستوطنين باقتحام المسجد الأقصى ورفع العلم الإسرائيلي في رحابه، والقيود الإسرائيلية على وصول الفلسطينيين إلى المسجد، وما يتم تحضيره لما يسمى بناء الهيكل المزعوم، بما يتطلبه ذلك من مصادرة أملاك الفلسطينيين في محيطه.

وبينما يجتمع المؤتمرون، لا بد أن أصوات المستوطنين الذين خرجوا بالآلاف فيما تعرف ب مسيرة الأعلام ، قد وصلت إلى مسامع المؤتمرين، كان هذا النشاط الاستفزازي للمستوطنين في أعوام سابقة يستدعي خروجاً للفلسطينيين لمجابهتهم وتحدي ذلك الفعل، لكن المسيرة هذا العام خرجت بكل أريحية، دون أي رد فعل فلسطيني حتى على مستوى الموقف السياسي الإعلامي.

ثانية هذه الوقائع، وتزامنت مع انعقاد المؤتمر، هي خروج سموتريتش على رأس آلاف المستوطنين، لاقتحام قبر يوسف، وكان قد أعلن أن حكومته تتجه نحو إلغاء مسميات (أ) و(ب) و(ج)، في الطريق إلى إعلان ضم الضفة الغربية.

ثالثة هذه الوقائع، ما نشرته وكالة رويترز عن مصادر أميركية من أن إدارة الرئيس ترامب، تدرس مطالبة إسرائيل بتحويل أموال المقاصة، التي تسرقها إسرائيل، إلى مجلس السلام لتمويل خطة ترامب لمرحلة ما بعد الحرب على غزة ، بافتراض أن الحرب قد توقفت.

وبين هذه وتلك، يناقش الكنيست بالقراءة الأولى مشروع قرار لإقامة سلطة آثار في الضفة وغزة؛ لتعزيز مخططات التهجير والضم. هل تنطوي هذه الوقائع على مؤشرات ورسائل للمؤتمرين، أم أنها مجرد وقائع تعوّد الفلسطينيون على مراقبتها على مدار الوقت، قبل المؤتمر، في سياق سياسة عامة إسرائيلية؟

والسؤال: هل أجاب المؤتمر عن هذه الأسئلة أو غيرها من التحديات التي يطرحها واقع الصراع، لست أشك بأن التقرير السياسي المقدم للمؤتمر قد شخّص واقع الحال على نحو معقول، ولكن هل جاءت النتائج السياسية بمستوى الإجابة المأمولة عن تلك التحديات؟ هذا هو الأهم.

في الأساس كان على المؤتمر الثامن أن يعيد صياغة هوية حركة «فتح»، وأن يعيد النظر في المشروع الوطني الفلسطيني، وأشكال ووسائل تحقيقه بعد أن فرضت إسرائيل تغييراً على ذلك المشروع، وفي الأساس، كان على المؤتمر الثامن أن يجيب عن سؤال، بل الأسئلة المتعلقة بمنظمة التحرير الفلسطينية، برنامجها، دورها، ولكونها الإطار الجامع للحركة الوطنية الفلسطينية، أو على الأقل لفصائلها الأساسية بافتراض أن « حماس » و»الجهاد» ليستا مؤهلتين للانخراط فيها.

وكان على المؤتمر الثامن أن يحدد بدقة العلاقة بين الحركة والسلطة، وبين السلطة والمنظمة، بعد أن صادرت السلطة صلاحيات ودور المنظمة، وكان على المؤتمر الثامن أن يعيد النظر في أشكال المقاومة بعد أن فشل مسار أوسلو، وبعد التقنين الشديد في أساليب المقاومة الشعبية السلمية، وكان على المؤتمر أن يحدد مسؤولية الحركة إزاء وحدة الحركة الوطنية الفلسطينية، ووحدة الشعب الفلسطيني، في ظل ظروف تستدعي كل ذلك كأساس للصمود والتحدي. هل أجاب المؤتمر عن كل ذلك وغيره من الأسئلة؟ شخصياً لا أعرف، وأتمنى أن يكون قد حصل.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد