ثمة جمود مستمر منذ زمن في الحالة الوطنية والعلاقات الداخلية الفلسطينية كما ثمة غياب لأي حراك جدي لوقف العدوان على شعبنا في الضفة وفي غزة خاصة، مع استمرار حرب الإبادة لما يزيد على ثلاثين شهراً وتحقيق مشروع ضم الضفة الغربية على الأرض. لا شيء يتحرك.
في الحالة الوطنية الداخلية رغم تفكك عناصر الانقسام «كما نعرفه» مع سيطرة إسرائيل على قرابة ٧٠ % من قطاع غزة إلا أن الانقسام بات انقسامات.
من المؤكد أن استخدام عبارة «كما نعرفه» ليست عرضية هنا إذ إن هذا يعني أن الانقسام تجدد وتوّلد ذاتياً وموضوعياً ونجمت عنه حالة أكثر تشرذماً؛ فمن جهة هناك حماس التي تسيطر على ما تبقى من القطاع في الشريط الساحلي الضيق المحصور بين مدينة غزة وشمال خان يونس، ومن جهة أخرى هناك الميليشيات التي تعمل في مناطق الخط الأصفر والتي مع الوقت ستطور أجهزتها الإدارية الخاصة، ومن جهة ثالثة قد يشهد المستقبل القريب بناء الجهاز الإداري للجنة التكنوقراط في بعض مناطق القطاع. وفوق هذا هناك الاحتلال الذي يتحرك بحرية مطلقة في القطاع.
ورغم عدم وجود الانقسام بالمعنى المتعارف عليه إلا أن الانقسام كفكرة وممارسة توسع وتشعب وبات أكثر تعقيداً.
لنتذكر أنه ولأول مرة منذ نشوء منظمة التحرير يتم تشكيل جسم قيادي لإدارة جزء من الحالة الوطنية بعيداً عن الإرادة الشرعية للشعب الفلسطيني، إذ إن لجنة التكنوقراط التي رحب الكل الوطني بتشكيلها لم تأتِ بقرار وطني بل بقرار من ممثل ترامب، إلا إذا كان هناك من يعتبر ترامب حليفاً للشعب الفلسطيني.
ما الذي يجري؟
نحن ببساطة لا نتحرك من أجل إنقاذ الوضع، بل ننتظر وبالعامية «نتفرج»، ربما ثمة زمن للمعجزات سيأتي، بيد أن انتظار «جودو»، ليس في مسرحية بيكيت فحسب بل أيضاً في الحياة، لن يجدي نفعاً. فإدارة الحالة الوطنية والعلاقات الداخلية وفق مبدأ الحفاظ على الوضع الراهن ناجم عن عدم المقدرة على تحقيق الأفضل، وعدم تحقيق الأفضل ببساطة يعني المزيد من الخسارات؛ لأن الوضع الحالي يشكل ذروة من ذرى الخسارات المتعددة الأوجه.
كذلك الحال فيما يتعلق بإدارة الصراع مع العدو. كانت فكرة إدارة الصراع، لا حله، فكرة اليمين الإسرائيلي بزعامة نتنياهو؛ تهرباً من استحقاقات.
ورغم أنها قد تبدو مغرية للفلسطينيين في لحظات معينة لأنها تعني عدم حاجتهم لتوقيع اتفاق قد يشير لتنازل تاريخي، إلا أن إدارة الصراع من وجهة نظر إسرائيلية تعني تحديداً مواصلة السياسات المتبعة لالتهام المزيد من الأراضي الفلسطينية، وتقييد الفعل الميداني الفلسطيني، وتهويد وأسرلة الجغرافيا الفلسطينية، وتهجير المزيد من الفلسطينيين.
أرض أكثر، فلسطينيون أقل. هكذا يبدو الوضع في الضفة الغربية أكثر من أي وقت مضى، وهكذا يتم الأمر في غزة عبر الخط الأصفر والخط البرتقالي، كما تم عبر الخط الأخضر قبل ذلك.
عدم وجود فعل فلسطيني ميداني يعني مواصلة إسرائيل لسياسة إدارة الصراع التي تعني مواصلة الصراع دون الحاجة لعلاقة سياسية مع الفلسطينيين وتحديداً السلطة الفلسطينية، وبالتالي التحرر من ضغط الوسطاء.
وعليه ففلسطينياً عدم القيام بأي فعل يعني استمرار قيام إسرائيل بتنفيذ المزيد من الخطط الاستيطانية، ومواصلة ضم الصفة الغربية، وعزل التجمعات الفلسطينية في كانتونات ستصبح وفق القانون الإسرائيلي مجرد «تجمعات غير شرعية» أخرى، وسيمتد هذا ليشمل حتى المدن الكبرى ما لم تدخل هذه المدن في تفاهمات «محلية» خاصة مع إسرائيل على وزن لجنة تكنوقراط جديدة؛ وعليه تفكك البنية السياسية الفلسطينية مع الوقت.
في علم الجيولوجيا يتحدثون عن ظهور قارة جديدة بعد ملايين السنين ناجمة عن تصدع الرقائق التكتونية لغلاف الأرض الصخري.
غير أن الواضح أن تصدع الصفائح التكتونية للحالة الوطنية قد بدأ من فترة وسينتج عنه ظهور حالات وطنية متعددة وأولها حالة غزة ومصيرها المنفصل عن الحالة الوطنية العامة.
في أكثر من مرة تحدثت عن بوادر تفكك القضية الفلسطينية وتشتت مآلات ومصائر الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده المختلفة.
لم يعد ثمة قضية فلسطينية واحدة بل هناك بحكم الأمر الواقع «قضايا» فلسطينية. صحيح أن ثمة قضية أساسية تجمع الشعب الفلسطيني تتمثل في استعادة البلاد والعودة إليها وإقامة الدولة الفلسطينية فيها، إلا أن طبيعة التحولات الميدانية واستعصاء الحالة الوطنية، وغياب الخطة الوطنية الجامعة لأهداف وسبل الكفاح التحرري، وفرض إسرائيل لمفهوم إدارة الصراع نظرياً فيما تقوم هي بتعجيل الحل التوراتي على الأرض، كل ذلك نتج عنه وضع يصبح فيه التعامل مع كل تجمع فلسطيني بشكل منفصل عن المصير الجمعي للشعب الواحد، بل إن فكرة المصير الواحد تكاد يختفي مع تعدد البرامج الحزبية التي صار كل برنامج منها، وفق ممارسة كل تنظيم، أهم من البرنامج الوطني العام، وأنا هنا أتجنب استخدام كلمة «المشروع الوطني» لإيماني المتزايد بما لكلمة «مشروع» من إيحاءات تمس بجوهر الوطنية نفسها؛ إذ إن الأساس وجود «برنامج» وطني وليس «مشروعاً» وطنياً.
عموماً هذا نقاش آخر على أهميته. ورغم أن الكل الوطني قد يكون مسؤولاً بشكل أو بآخر عما وصلت إليه الحالة الوطنية إلا أن ثمة مسؤولية كبيرة لحركة حماس خاصة بعد انقلابها في حزيران الأسود عام ٢٠٠٧ وجرفها لغزة نحو مصير منفصل وحروبها الدونكشوتية لصالح برامجها الحزبية وصورتها الخاصة، وحربها الأخيرة وإدارتها لها شكلت ذروة مثل هذا التوجه وتلك المسؤولية.
بيت القصيد هنا أن غزة تتجه لمصير منفصل، مصير قائم على «انفصال» تام عن القضية الوطنية، ينتج عنه حالة غزة التي قد لا ترتقي لكيانية خاصة لكنها ستكون ذات كيانية ما.
والفرق بين الكيانية الخاصة والماهية الكيانية غير المحددة لا يقررها الفلسطينيون بل هي نتيجة صراعهم الداخلي وطريقة إدارتهم للصراع مع الاحتلال.
نعم غزة عبر التدخلات الدولية الأخيرة وتشكيل مجلس الوصاية ولجنة التكنوقراط التي لا يعرف أحد حتى اللحظة ماهية تكنوقراطيتها، صارت في المرحلة الأخيرة نحو التشكّل الكياني المنفصل.
مرة أخرى لا يهم وجود سطر أو اثنين في خطة ترامب عن السلطة لأن في السياسة أيضاً ودائماً من يفسر النصوص هم الأقوياء، فما بالك إذا كانوا هم من كتبوها.
ونحن ماذا نفعل؟
ندير الصراع عبر الانتظار، وندير الحالة الوطنية عبر الانتظار أيضاً.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
