منذ حرب الإبادة حتى اليوم، اعتاد العالم أن يرى الغزّي في صورة واحدة: ضحيةً للإبادة المتوحشة، أو رقماً في نشرة الأخبار، أو جسداً مهروساً يُنتشل من تحت الركام. وخلال السنة الأخيرة، ظهرت صورة أخرى لا تقل اختزالاً وخطورة، صورة المقاهي المكتظة، والمطاعم المفتوحة، والأعراس الصاخبة، والمحال التجارية التي استعادت شيئاً من حركتها. وبين الصورتين تضيع الحقيقة.
في علم النفس الاجتماعي، يُعرف هذا النمط بـ"وهم التمثيل"، حين تتحول حالات استثنائية أو مشاهد محدودة إلى صورة ذهنية تعمم على مجتمع كامل. فحين تُنشر صور المولات والمقاهي والأعراس دون سياقها الحقيقي، يتشكل لدى المتلقي البعيد انطباع بأن غزة تعافت، وأن الناس تجاوزوا المحنة، وأن الحياة عادت إلى طبيعتها. والحقيقة أن هذه المشاهد لا تمثل إلا شريحة ضيقة جداً من السكان، بينما يعيش معظم أهل غزة واقعاً مختلفاً تماماً في مخيمات النزوح البائسة.
الغالبية العظمى لا تقف أمام واجهات المحال، بل أمام شاحنات المياه. لا تنتظر موعداً في مطعم، بل تنتظر دورها في تكية طعام قد تصل وقد لا تصل. لا تبحث عن مكان للاحتفال، بل عن قطعة قماش إضافية تسد فتحة في خيمة أنهكتها الرياح والمطر والشمس. هناك حيث ينام الأطفال على الرمال، وتقتسم العائلات القليلة من الطعام، وتصبح النجاة اليومية إنجازاً بحد ذاته.
إن ما نشهده أحياناً ليس تعافياً حقيقياً، بل ما يسميه علماء النفس "التكيف القسري مع الكارثة". فالإنسان لا يستطيع البقاء طويلاً في حالة حداد دائم، فيبحث عن لحظات مؤقتة من الحياة وسط الموت، وعن فسحات صغيرة من الفرح وسط الألم. جلوس شخص في مقهى لا يعني انتهاء معاناته، كما أن إقامة حفل زفاف لا تعني أن الحرب انتهت في داخله رغم انتقادنا بذخ الحفلات للأسر الغنية. إنها محاولات فردية لاستعادة الإحساس بالإنسانية، لا مؤشرات على التعافي المجتمعي.
أما في علم الاجتماع، فإن التعافي لا يُقاس بعدد المطاعم المفتوحة أو الأعراس المقامة، بل بعودة المؤسسات، واستقرار الاقتصاد، وتوفر السكن الآمن، وضمان التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل. والتعافي الحقيقي يبدأ عندما يعود الإنسان إلى حياته الطبيعية، لا عندما يتعلم كيف يتعايش مع الكارثة.
الأخطر من ذلك أن استعراض مشاهد التعافي الجزئي قد يخلق ما يمكن تسميته "التعب الأخلاقي" لدى العالم الخارجي. فحين يرى المتابع صوراً توحي بالحياة الطبيعية، يتراجع شعوره بإلحاح المأساة، ويبدأ بالتساؤل: إذا كانت المقاهي ممتلئة والمحال مفتوحة، فلماذا يستمر الحديث عن الأزمة الإنسانية؟ وهنا تتحول الصورة من وسيلة لنقل الواقع إلى أداة غير مقصودة لحجبه.
الغزّي في الخارج يعيش أزمة رمزية مضاعفة. فالعالم يريد أن يراه إما جثة تحت الأنقاض أو كتلة متحركة من الألم. وإذا ظهر مبتسماً، أو جالساً في مقهى، أو مشاركاً في مناسبة اجتماعية، يُنظر إليه وكأنه فقد حقه في الشكوى أو المطالبة بالحياة الكريمة. وكأن المطلوب منه أن يبقى أسير صورة الضحية حتى يصدق العالم معاناته.
لكن الإنسان في غزة ليس جثة فقط، وليس ألماً فقط. هو كائن يحاول أن يحيا رغم كل شيء. يضحك أحياناً وهو مكسور، ويحتفل أحياناً وهو فاقد، ويشرب قهوته بينما يحمل داخله مدينة كاملة من الأحزان. وهذه القدرة على الاستمرار ليست دليلاً على التعافي، بل دليل على عمق الجرح وقدرة الإنسان على مقاومة الانهيار النفسي.
لذلك فإن الإنصاف يقتضي ألا تُختزل غزة في صور الدمار وحدها، ولا في صور المقاهي وحدها. فالحقيقة تسكن بين الركام والمقهى، بين الخيمة وحفل الزفاف، بين طابور المياه وصوت الموسيقى. والحقيقة الأكبر أن مجتمعاً بأكمله ما زال يقاتل من أجل أبسط شروط الحياة، وأن بعض مظاهر الحركة ليست إعلاناً للتعافي، بل مجرد محاولة يائسة للحفاظ على ما تبقى من المعنى في زمن الخراب.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
