بين المؤتمر الثامن والحُب بعد الخمسين، تبدو المقارنة للوهلة الأولى طريفة أو مجازية أكثر مما ينبغي، لكن التأمل العميق يكشف أن كليهما يقف عند سؤال الفرصة الأخيرة: هل ما تبقّى من العمر يكفي لإعادة اختراع المعنى، أم أن الإنسان ــ فرداً كان أو حركة سياسية ــ يكتفي بإدارة ما تبقّى من الخسائر؟

في الحُب بعد الخمسين، لا يدخل المرء العلاقة مدفوعاً بعاصفة البدايات، بل بحكمة الندوب. يعرف مسبقاً أن الوعود الكبيرة قابلة للتآكل، وأن القلب لم يعد يحتمل المغامرات المجانية. لذلك يصبح الحب أكثر هدوءاً، وأكثر خوفاً أيضاً. يقترب العاشقان من بعضهما كما يقترب ناجيان من حريق طويل، كلاهما يريد دفئاً لا يلتهمه، وسكينة لا تتحول إلى خيبة جديدة. لكن هذا الحب، مهما امتلك من خبرة، يظل مهدداً إن فقد روح الشباب؛ لأن العلاقات التي تُدار بالحذر وحده تتحول إلى تفاهم بارد، لا إلى حياة.

وهذا تماماً ما يواجهه صديقي في المؤتمر الثامن في لحظة فلسطينية تكاد تكون الأكثر قسوة والتباساً منذ عقود. فبعد حرب الإبادة في غزة ، والتضييق غير المسبوق في الضفة الغربية، وتآكل الخيارات السياسية تحت ضغط إقليمي ودولي مرتبك، لم يعد السؤال متعلقاً بالشعارات بقدر ما أصبح متعلقاً بالقدرة على استعادة المعنى الوطني نفسه. الناس لم تعد تبحث عن خطابات طويلة، بل عن أفق يمكن الوثوق به، ولو كان ضيقاً.

معظم المرشحين، مثل صديقي الثائر العاشق، اليوم تجاوزوا الخمسين، وكثير منهم في الستينات والسبعينات. ولا أحد يُنكر أن السياسة، كالحُبِ، تحتاج إلى الخبرة؛ فالأوطان لا تُدار بالمراهقة السياسية، كما أن العلاقات لا تُبنى على الاندفاع وحده. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الخبرة إلى ذاكرة ثقيلة تخاف التغيير أكثر مما تخاف الفشل. عندها يصبح القائد شبيهاً بعاشق مسنّ يكرر الكلمات ذاتها، ويستعيد الحكايات ذاتها، معتقداً أن الزمن توقف عند انتصاراته القديمة.

المؤتمر الثامن لا يحتاج إلى أعمار صغيرة بقدر ما يحتاج إلى روح جديدة. فالشباب ليس رقماً بيولوجياً، بل قدرة على تخيل المستقبل خارج القوالب المستهلكة. وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الجمود السياسي أخطر من الهزيمة نفسها؛ لأن الشعوب تستطيع احتمال الخسارة، لكنها لا تستطيع احتمال غياب الأمل.

ثمّة جيل فلسطيني كامل نشأ بين الحصار والحروب والانقسام والبطالة وفقدان اليقين. هذا الجيل لا يريد أن يرث الخيبة بوصفها قدراً وطنياً. يريد لغة مختلفة، وقيادة ترى الواقع كما هو، لا كما كان قبل ثلاثين عاماً. يريد سياسة تعترف بأن العالم تغيّر، وأن أدوات النضال، كأدوات الحب، تفقد صلاحيتها حين تُستخدم بالطريقة نفسها إلى الأبد.

في النهاية، يشبه المؤتمر الثامن علاقة متأخرة بين قلبين متعبين: إما أن تكون فرصة أخيرة لاستعادة الحياة، أو محاولة أنيقة لتأجيل الاعتراف بالنهاية. والفارق بين الاحتمالين ليس العمر، بل القدرة على أن يبقى في الروح ما يكفي من الشجاعة كي تبدأ من جديد.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد