الاضطراب الحديث في الشرق الأوسط لم يبدأ مع العدوان الأميركي الإسرائيلي الذي وقع قبل خمسة وسبعين يوماً، وما زال مستمراً. بقدر تعلق الأمر بتداعيات الفصل الجاري من الحرب على المنطقة، لا بد من التذكير بأن حرباً فعلية وبوسائل أقل صخباً كانت تجري على أرض الضفة الغربية و القدس ، لتحقيق هدف إسرائيلي ثابت ومعلن، ببسط السيادة على الأرض المحتلة العام 1967.
الأهداف الإسرائيلية لم تكن لتستهدف حصرياً استغلال فرصة ولاية ترامب الثانية لتنفيذ صفقة القرن ، إذ إن هدف بسط السيادة على الضفة كان سي فتح المجال أمام التحاق المزيد من دول المنطقة بالاتفاقات الإبراهيمية، ثم تصاعدت الحرب على الأراضي الفلسطينية والقضية برمتها، منذ السابع من أكتوبر 2023، والتي شكلت انعطافة كبرى نحو توسيع دائرة الصراع إلى ما يبدو عليه، اليوم.
إن من ينكرون هذه الحقيقة، إنما ينطلقون من مواقف مسبقة تجاه المقاومة الفلسطينية، ويعملون على تحميلها كل ما أصاب الشعب الفلسطيني من دمار وآلام. نذكر هؤلاء، بأن إسرائيل قامت بتوسيع عدوانها على لبنان وسورية، والعراق، واليمن، وقبل أن تدخل إيران على الخط بمشاركة محدودة، تبعتها حرب الـ12 يوماً. لا ضرورة لأن نذكر كل من يحاول تحميل المقاومة الفلسطينية المسؤولية بالأهداف المعلنة منذ زمن، بشأن تغيير خارطة الشرق الأوسط، وإسرائيل الكبرى، والحلف السني المعتدل لشراكة وهيمنة إسرائيلية وإشراف أو رعاية أميركية.
لم تسقط هذه الأهداف حتى الآن، وإن كانت اتخذت مسميات معدلة من نوع القضاء على التهديدات من لبنان و غزة واليمن وسورية وإسقاط النظام الإيراني. حيث فشلت كل هذه الأهداف المسميات إذ لم تحقق إسرائيل الحسم في أي من هذه الجبهات، إعادة الولايات المتحدة إلى الواجهة، هدف فتح مضيق هرمز، وتدمير البرنامج النووي الإيراني.
هذا التعديل في الأهداف من قبل الإدارة الأميركية، لا يلبي الرؤية الإسرائيلية التي تعبر عن قلق شديد من إمكانية وقف الحرب والتوصل إلى اتفاق مع ايران من خلال المفاوضات.
الخلاف حول الأهداف بين الإدارتين الأميركية والإسرائيلية، لم يمنع نتنياهو من التحريض كل الوقت، والمحاولة، لمنع التوصل لاتفاق يرغبه ترامب بشدة وبالتالي مواصلة الحرب.
يدعي نتنياهو أن لدى الجيش الإسرائيلي خططاً جاهزة وقابلة للنجاح في الاستيلاء على أربعمائة وخمسين كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. وبالإضافة إلى ذلك، يستمر الجيش الإسرائيلي في عدوانه على لبنان، ما يخالف نظرياً توجيهات الرئيس ترامب. والشرط الإيراني الذي قبلت به الولايات المتحدة في إطار التوصل إلى هدنة. غزة لا تزال تتعرض لقصف يومي، حيث يجري توسيع الخط البرتقالي الجديد، إلى أن أصبح يهضم 63% من أراضي قطاع غزة، ويحصر ويحاصر مكانه في الشريط الساحلي.
والحرب متصاعدة في الضفة الغربية بكل الوسائل والأشكال. وثمة من يحاول من اليمين المتطرف الإسرائيلي إجراء تصويت على التخلص من اتفاقية أوسلو.
في هذه الأثناء، يتناغم ما يسمى مجلس السلام، مع الأهداف الإسرائيلية، والرئيس الأميركي الذي لا يترك شاردة أو واردة، ألا وتنال بعضاً من اهتماماته المعلنة، لا يبدو مهتما بالتزام إسرائيل بالتقيد بالالتزامات التي تفرضها خطته ذات العشرين بنداً.
التغيرات التي رافقت هذه المسيرة العدوانية، تتسم بطابع واسع وعميق سواء في الداخل الأميركي، أو في العلاقات الدولية والتحالفات، وصيغ كان يبدو عليها الديمومة والاستقرار، وتتسم أيضاً بتضارب هائل في مصالح العديد من الأطراف الإقليمية والدولية، فضلاً عن تداعياتها الاقتصادية.
كل المحاولات الأميركية لإخضاع إيران، فشلت حتى الآن، وبدا وكأن الرئيس الأميركي قد وجد نفسه وبلاده في ورطة، فقد عرف كيف يدخل إلى الحرب، ولكنه لا يعرف كيفية الخروج منها بماء الوجه.
كان الرئيس ترامب يراهن على إمكانية أن يذهب إلى الصين، وهو يحمل اتفاقاًَ مع إيران، يعبر عن حالة انتصار ولكنه لم يتمكن من ذلك.
لعل الرئيس ترامب يعرف سبب فشل المفاوضات في التوصل إلى اتفاق عبر الوسيط الباكستاني، فقد رفع سقف شروطه إلى مستوى مرتفع جداً، ما كان من الممكن أن تقبل به إيران. وكما استخدمت إيران أسلحتها، في إفشال العدوان من تحقيق أهدافه، نجحت في استخدام المفاوضات، والحصار، بحيث جعلت الرئيس الأميركي يتأرجح دون أن يعرف سوى التبجح بقدرات جيشه، وبالإنجازات التي يدعيها، وتثبت الوقائع عكسها.
هذه الاقتراحات الإيرانية، التي فقط تضمنت تدوير الزوايا، وتدويراً في الأولويات والشروط، دون التنازل عن الثوابت، قوبلت من الرئيس ترامب بأنه ألقى الورقة في القمامة. وبرأينا فإنه لا يزال يأمل في التوصل إلى اتفاق معقول مع إيران، يمكن تسويقه على أنه انتصار أميركي تاريخي وإلا لكان اصدر أمراً لقواته المحتشدة في الخليج أو سمح لنتنياهو أن يقوم بتوجيه ضربات شديدة لإيران.
وزير الحرب الأميركي، أعلن أن لدى الولايات المتحدة خططاً للتصعيد إذا لزم الأمر، ولكنه أردف قائلاً، إن لديه خطة للتراجع. تصريحات وزير الحرب المتشددة وهو الذي ينطق بلسان الرئيس ترامب، تنطوي على أحد الخيارين، الحرب أو التراجع، ولكن لماذا وهو ليس مضطراً أن يتحدث عن التراجع إلا إن كان هذا اختياراً واقعياً، أو أنه ينطوي على خدعة.
الردود الإيرانية المتشددة، لا تتأخر كل مرة، وأحياناً تأخذ طابع السخرية، وتؤكد كلها على أن إيران جاهزة ومستعدة لكل الخيارات، وآخر التصريحات جاءت من إبراهيم رضائي المتحدث باسم لجنة الأمن في البرلمان الإيراني، الذي قال، «إذا عاودت أميركا الحرب سنقوم بتخصيب اليورانيوم بنسبة 90%». لا يبدو أن هذا التصريح مجرد لغو فارغ وإن عادت الحرب، وفشلت في إسقاط النظام فقد يكون ذلك خياراً!
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
