تشهد الساحة السياسية المرتبطة بقطاع غزة حالة من الجمود الحذر، في ظل حراك تفاوضي لم يرتقِ حتى اللحظة إلى مستوى الاختراق الفعلي. فقد احتضنت القاهرة خلال الأسبوع الماضي سلسلة لقاءات بين حركة حماس وكلٍّ من نيكولاي ملادينوف ، إضافة إلى اجتماعات أخرى ضمّت عددًا من الفصائل الفلسطينية، بحضور وسطاء من مصر وتركيا وقطر، إلى جانب ممثل عن جاريد كوشنر.

ورغم كثافة اللقاءات، بدت النتائج محدودة جدًا، إذ لم تُسجَّل أي اختراقات حقيقية في الملفات الأساسية. وما طُرح على طاولة البحث لم يتجاوز حدود الوعود، خصوصًا فيما يتعلق بوقف الغارات الإسرائيلية والقصف المدفعي، وزيادة إدخال المساعدات الإنسانية. وهي وعود تفتقر إلى الضمانات، ما يُبقيها في إطار النوايا غير الملزمة.

في المقابل، تتمسّك إسرائيل بمواقفها التقليدية، رافضة الانسحاب من المناطق التي أعادت السيطرة عليها داخل قطاع غزة، وتربط أي خطوة من هذا النوع بشروط سياسية وأمنية معقّدة، أبرزها تفكيك البنية العسكرية لحركة حماس وتسليم سلاحها. وهي شروط تدرك مختلف الأطراف صعوبة تحقيقها وفقًا لما تطلبه دولة الاحتلال في المدى المنظور، ما يجعلها أقرب إلى أدوات ابتزاز لتعطيل أي تقدم محتمل.

اللافت أن دور الوساطة، رغم تعدده، لم يُنتج حتى الآن رؤية متكاملة أو مبادرة واضحة المعالم. كما أن موقف ملادينوف بدا أقرب إلى التماهي مع الطرح الإسرائيلي القائم، دون تقديم بدائل توازن بين متطلبات التهدئة والحقوق الفلسطينية. وفي السياق ذاته، يغيب أي تصور عملي لتشكيل قوة دولية لحفظ الاستقرار، سواء من حيث طبيعتها أو مهامها أو الجهة التي ستتولى قيادتها.

في مواجهة ذلك، قدّمت حركة حماس مجموعة مطالب يمكن اعتبارها إطارًا لأي اتفاق محتمل، يتقدّمها وقف شامل ودائم لإطلاق النار، وانسحاب كامل لقوات الاحتلال من قطاع غزة، إلى جانب البدء الفوري في إعادة الإعمار وإدخال المساعدات. كما أبدت الحركة استعدادها للتعامل مع أفكار تتعلق بإدارة القطاع عبر لجنة تكنوقراط، ومناقشة ملف السلاح ضمن إطار وطني شامل يقود إلى مسار سياسي يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

ورغم وجاهة ما قدّمته الحركة والفصائل المشاركة، إلا أن القبول خلال مفاوضات شرم الشيخ بالنزول إلى سقف منخفض لآليات ما يُسمّى بـ”مجلس السلام” وتشكيلاته ومطالبه المختلفة يطرح تساؤلات جدية. وكان من الأجدر وضع الملف التفاوضي بكامله بيد منظمة التحرير الفلسطينية، بما تمثّله من شرعية وطنية واعتراف دولي، وما تملكه من قدرة على الاستناد إلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، بما في ذلك مكانة دولة فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة. إن حالة الاستعصاء الراهنة يمكن اختراقها عبر انتزاع زمام المبادرة، وإسناد إدارة هذا الملف بشكل كامل إلى منظمة التحرير.

خاصة أن كافة الطروحات والمقترحات لم تجد حتى الآن أي أرضية مشتركة مع المواقف الإسرائيلية أو رؤية الوسطاء، ما أدى—وقد يؤدي—إلى انتهاء جولة اللقاءات دون اتفاق، بل مع حالة من التوتر غير المعلن الذي يدفع ثمنه الناس في غزة دموعًا ودمًا.

إن هذا الجمود لا يعني بالضرورة نهاية المسار، بل قد يكون تمهيدًا لمرحلة جديدة عنوانها التصعيد الميداني، بهدف إعادة تشكيل موازين القوى وفرض وقائع جديدة تسبق جولة تفاوض لاحقة. كما يرتبط هذا المشهد بحسابات داخلية في إسرائيل، حيث لا يبدو أن الحكومة معنية حاليًا بإحداث تغيير جوهري في الوضع القائم، بل قد تجد في استمرار التوتر ورقة قابلة للاستخدام في سياقات سياسية وانتخابية قادمة.

في المحصلة، تبقى غزة عالقة بين مسارين متوازيين: مفاوضات بلا نتائج حاسمة، وتصعيد محتمل قد يعيد خلط الأوراق. وبين هذا وذاك، يظل السكان في القطاع يدفعون الثمن الأكبر، في انتظار انفراجة لا تزال بعيدة المنال.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد