مع دخول الحرب يومها الثامن والعشرين، تتواصل الضربات الجوية المكثفة داخل إيران، بالتوازي مع تصاعد التوتر حول مضيق هرمز وتحركات عسكرية أميركية متزايدة في المنطقة، في وقت تشير فيه التقديرات الإسرائيلية والغربية إلى أن الحرب ما تزال بعيدة عن نهايتها رغم الضغوط السياسية لإنهائها خلال أسابيع.
تشير تقديرات الخبير الاستراتيجي دافيد جندلمان إلى أن الضربات الجوية خلال الساعات الأخيرة استهدفت مجموعة واسعة من المنشآت العسكرية والصناعية داخل إيران، شملت مصانع لإنتاج الصواريخ الباليستية والصواريخ المضادة للسفن، وأنظمة الدفاع الجوي والألغام البحرية، إضافة إلى مخازن الصواريخ ومنصات الإطلاق.
كما استُهدفت منشآت صناعية ذات أهمية اقتصادية وعسكرية، من بينها مصنع الصلب في مباركة بمحافظة أصفهان – وهو الأكبر في الشرق الأوسط – ومصنع الصلب في الأهواز، وكلاهما مملوك جزئياً للحرس الثوري ويخدمان أيضاً الإنتاج العسكري.
وشملت الضربات كذلك منشآت نووية، بينها مصنع إنتاج الماء الثقيل في أراك ومنشأة تركيز اليورانيوم في أردكان.
وبحسب جندلمان، فإن وتيرة إطلاق الصواريخ الإيرانية ما تزال منخفضة نسبياً، بمتوسط يتراوح بين 10 و20 صاروخاً يومياً، وغالباً في دفعات صغيرة. ويُفسَّر هذا الانخفاض بمحاولة إيران الحفاظ على مخزونها الصاروخي.
وتشير التقديرات الأميركية والإسرائيلية إلى أن نحو ثلث الترسانة الباليستية الإيرانية قد دُمّر حتى الآن. وكان لدى إيران ما بين 2500 و3000 صاروخ قادر على الوصول إلى إسرائيل، أُطلق منها نحو 500 منذ بداية الحرب.
أما منصات الإطلاق، فيُعتقد أن نحو ثلثها ما يزال نشطاً، بينما دُمّر ثلث آخر، في حين يُحتمل أن يكون الثلث الأخير مخبأ داخل أنفاق تحت الأرض.
وفي السياق نفسه، أفادت الصحافية جيلي كوهين في قناة “كان” بأن سلاح الجو الإسرائيلي كثف هجماته على مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك منشآت لم تُستهدف سابقاً.
وبحسب مصدر إسرائيلي، فإن الضربة في منشأة أراك استهدفت مواقع مختلفة عن تلك التي قُصفت في الحرب السابقة، فيما جرى قصف مصنع المياه الثقيلة بعد رصد محاولات لإعادة تأهيله.
ويرى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أن استهداف ما يسمى “المسار البلوتوجيني” في البرنامج النووي الإيراني – أي المسار غير المباشر لإنتاج مواد انشطارية عبر أجهزة الطرد المركزي – يمثل أحد المفاتيح الأساسية لإضعاف القدرة النووية الإيرانية.
في موازاة الضربات داخل إيران، تتصاعد التهديدات الإقليمية. فقد توعدت طهران بالرد على استهداف مصانع الصلب عبر ضرب منشآت صناعية معدنية في السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وإسرائيل. كما هددت باستهداف مواقع في جيبوتي وبيروت ودمشق حيث توجد قوات أميركية أو بريطانية أو إسرائيلية.
في الوقت نفسه، أعلن الحوثيون استعدادهم للانضمام إلى الحرب في حال توسع المواجهة ضد إيران أو استخدام البحر الأحمر ضدها.
أما في لبنان، فتتواصل الضربات الجوية ضد مواقع لحزب الله، فيما تتقدم القوات البرية ببطء في بعض المحاور، مع استمرار الاشتباكات المحدودة التي تعتمد أساساً على الصواريخ المضادة للدروع وقذائف الهاون.
في موازاة التصعيد العسكري، يتحول مضيق هرمز إلى إحدى أهم ساحات المواجهة في الحرب.
ففي تقدير استراتيجي صادر عن معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، يرى الباحثان مايكل آيزنشتات وأساف أوريون أن إيران فرضت واقعاً جديداً في المضيق بعد استهداف أكثر من عشرين سفينة منذ بداية الحرب، عبر ما وصفاه بـ“المرور الانتقائي”، حيث تسمح بعبور سفن دول صديقة أو سفن تدفع رسوماً، بينما تعرقل السفن الأخرى.
وفي هذا السياق، وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنذاراً إلى طهران ب فتح المضيق خلال مهلة محددة، مهدداً بضرب منشآت إيرانية حيوية، قبل أن يمنح مهلة إضافية لإفساح المجال أمام المساعي الدبلوماسية.
ويرى التقرير أن كسر القدرة الإيرانية على تهديد الملاحة لن يتحقق عبر القوة العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى مزيج من الضغط العسكري والاقتصادي، بما في ذلك استهداف صادرات النفط الإيرانية واعتراض ناقلاتها.
لكن مثل هذه الخطوات قد تدفع إيران إلى الرد باستهداف منشآت الطاقة في الخليج أو احتجاز سفن دولية، ما قد يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي واسع.
في الوقت نفسه، تشير تقارير عسكرية إلى أن واشنطن تدرس خيارات أكثر تصعيداً، من بينها احتمال السيطرة على جزيرة خرج، التي تمثل أحد أهم مراكز تصدير النفط الإيراني.
وقد بدأت الولايات المتحدة بالفعل تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، عبر نشر مجموعات برمائية من البحرية الأميركية تضم آلاف الجنود من مشاة البحرية، إضافة إلى وحدات من الفرقة 82 المحمولة جواً.
ورغم أن السيطرة على الجزيرة قد تكون ممكنة من الناحية التكتيكية، فإن الاحتفاظ بها سيشكل تحدياً كبيراً، نظراً لقربها من الساحل الإيراني ووقوعها ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
سياسياً، تشير تقديرات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى أن الحرب قد تستمر من أسبوعين إلى أربعة أسابيع.
لكن مراقبين يرون أن هذا التقدير يحمل طابعاً سياسياً أكثر منه توقعاً واقعياً، في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة.
كما أن المفاوضات مع إيران ما تزال تتم عبر وسطاء، وسط غموض حول آليات اتخاذ القرار داخل القيادة الإيرانية، ما يجعل التنبؤ بموعد نهاية الحرب أمراً شديد الصعوبة.
في المحصلة، تشير مجمل التطورات إلى أن الحرب دخلت مرحلة مركبة تجمع بين الضربات العسكرية المتواصلة، والضغوط الاقتصادية، والمناورات الدبلوماسية.
وبينما تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل تقليص القدرات العسكرية الإيرانية وفرض حرية الملاحة في مضيق هرمز، تراهن طهران على استراتيجية الصمود واستنزاف خصومها ورفع كلفة المواجهة.
وفي ظل هذه المعادلة، يبدو أن الحرب ما تزال بعيدة عن الحسم، وأن مسارها سيتحدد بقدر ما يحدث في ميادين القتال بقدر ما يتحدد أيضاً في أسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية في المنطقة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
