في قراءة لافتة لما كتبه المفكر الكبير الرفيق عبد المجيد حمدان (أبو وديدة) ونشره على صفحته في فيسبوك، يبرز سؤال جوهري يتعلق بطبيعة المرحلة التي تمر بها القضية الفلسطينية اليوم: ماذا لو فشل مخطط التهجير الواسع الذي راهنت عليه إسرائيل وسعت إلى تنفيذه؟ وهل يمكن أن تستكين بعد ذلك، أم أنها ستلجأ إلى بدائل أخرى لتحقيق أهدافها الاستعمارية؟
هذه الأسئلة ليست نظرية، بل ترتبط مباشرة بما يجري على الأرض الفلسطينية منذ سنوات، حيث تتكشف ملامح استراتيجية إسرائيلية تقوم على الجمع بين مواصلة الضغوط والظروف التي تدفع نحو التهجير، وبين الانتقال تدريجياً إلى تكريس واقع الضم والفصل العنصري، أي حشر الفلسطينيين في معازل سكانية خاضعة لسيطرة الاحتلال.
يشير أبو وديدة في مقاله المطول إلى أن قطاعات واسعة من الفلسطينيين، وفي مقدمتهم القيادات السياسية، اعتقدت لسنوات طويلة أن فشل مشاريع التهجير الكبرى، منذ النكبة وحتى اليوم، سيقود في نهاية المطاف إلى الاعتراف بحل الدولتين وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. غير أن تطورات السنوات الأخيرة، وما رافقها من تصاعد غير مسبوق في الاستيطان ومصادرة الأراضي، تشير إلى أن هذه المراهنة لم تكن في محلها. فمن الواضح أن إسرائيل لم تتخلَّ عن مشروعها الاستعماري، بل تسعى إلى إعادة إنتاجه بصيغ مختلفة.
في هذا السياق، يصبح من الضروري قراءة ما يجري بوصفه انتقالاً تدريجياً من استراتيجية التهجير – التي لم تختفِ كمشروع – إلى استراتيجية الضم والأبرتهايد، بما يحقق الهدف نفسه: السيطرة على الأرض مع تقليص الوجود الفلسطيني سياسياً وجغرافياً. فالضم الزاحف في الضفة الغربية لم يعد مجرد احتمال، بل بات عملية متواصلة عبر توسيع المستوطنات، وشرعنة البؤر الاستيطانية، وفرض الوقائع على الأرض.
أما النتيجة المتوقعة لهذا المسار فهي تحويل المدن والقرى الفلسطينية إلى جزر سكانية منفصلة، محاطة بالمستوطنات والجدار والحواجز، في نموذج يذكّر بما عُرف بـ«البانتوستانات» التي أقامها نظام الفصل العنصري سابقاً في جنوب أفريقيا.
في مثل هذا الواقع، لن يكون الهدف الإسرائيلي بالضرورة طرد الفلسطينيين جميعاً من أرضهم، بل إبقاءهم فيها ضمن شروط قاسية: بلا سيادة سياسية، وبحقوق منقوصة، وباقتصاد تابع، وبإدارة محلية محدودة الصلاحيات قد تعيد إنتاج نماذج قديمة مثل «روابط القرى». أي أن الفلسطينيين سيدفعون للعيش في معازل مكتظة، بينما تبقى الأرض والموارد والسيادة الفعلية بيد الاحتلال.
وما شهده قطاع غزة من حرب إبادة، وسيطرة الاحتلال على نحو 60% من مساحته، وحشر ما تبقى من سكانه في تجمعات للنازحين على ما لا يتجاوز 30% من أرضه، إضافة إلى ما تعرضت له مناطق واسعة من شمال الضفة الغربية خلال العامين الأخيرين، يقدم مؤشرات واضحة على هذا الاتجاه.
لكن هذه الصورة، على قسوتها، لا تعني نهاية القضية الفلسطينية. فكما يشير أبو وديدة، فإن فشل التهجير الشامل يحمل في طياته حقيقة بالغة الأهمية دفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً لتكريسها: تتمثل ببقاء الشعب الفلسطيني على أرضه. وهذا العامل وحده كفيل بإبقاء الصراع مفتوحاً، لأن العامل الديموغرافي يظل أحد التحديات الكبرى أمام المشروع الصهيوني، وهو ما تحذر منه باستمرار الأبحاث الاستراتيجية الإسرائيلية، بما فيها تلك التي طرحت في إطار مؤتمر هرتسليا.
إضافة إلى ذلك، فإن تكريس واقع الضم والأبرتهايد من شأنه أن يؤدي إلى نتيجة أخرى لا تقل أهمية، وهي انكشاف الطابع العنصري للنظام الإسرائيلي على نطاق أوسع في العالم. فكلما اقتربت الممارسات الإسرائيلية من نموذج الفصل العنصري، يصبح من الأسهل بناء حركة دولية واسعة لعزل هذا النظام سياسياً وأخلاقياً، تماماً كما حدث مع نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا.
ومن هنا يمكن فهم المفارقة التي يشير إليها ابو وديدة عندما يقترح، بصورة رمزية، استبدال مقولة دافيد بن غوريون الشهيرة «اعتمد على المفتي» بمقولة جديدة: «اعتمد على إيتمار بن غفير». فالمقصود هنا ليس التعويل على شخص بعينه، بل الإشارة إلى أن تطرف اليمين الإسرائيلي قد يسهم، من حيث لا يريد، في تعرية المشروع الصهيوني وتسريع تحوله في نظر العالم إلى نموذج واضح لنظام فصل عنصري.
غير أن تحويل هذه المفارقة إلى فرصة سياسية يتطلب من الفلسطينيين، قيادةً وفصائل ونخباً سياسية، إعادة التفكير في أدوات النضال وصوغ استراتيجية جديدة تنطلق من فهم طبيعة المرحلة. فمرحلة الضم والأبرتهايد، إن ترسخت، لن تُواجه بالوسائل نفسها التي حكمت مراحل سابقة من الصراع، بل تحتاج إلى رؤية بعيدة المدى تقوم على عدة ركائز أساسية.
أولى هذه الركائز هي إعادة صياغة الرؤية السياسية الفلسطينية بحيث لا تقتصر على أشكال المقاومة التقليدية أو المسار التفاوضي وحده، بل تركز أيضاً على البعد الحقوقي والقانوني الدولي بوصفه أداة مهمة لمواجهة نظام التمييز العنصري وكشفه أمام العالم.
أما الركيزة الثانية فهي إعادة الاعتبار لوحدة الشعب الفلسطيني ووحدة تمثيله السياسي عبر تفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية، بحيث يُنظر إلى الفلسطينيين في الداخل و القدس والضفة وغزة والشتات بوصفهم وحدة سياسية وشعبية واحدة.
والركيزة الثالثة تتمثل في نقل مركز الصراع إلى الساحة الدولية عبر تفعيل أدوات القانون الدولي، وتعزيز حملات المقاطعة والعزل، وبناء تحالفات واسعة مع القوى الشعبية والحقوقية في العالم.
وأخيراً، لا يقل أهمية عن ذلك العمل على تعزيز مقومات صمود المجتمع الفلسطيني اقتصادياً واجتماعياً في مواجهة حالة التبعية الاقتصادية التي تجعل الفلسطينيين أكثر عرضة للضغط والابتزاز الإسرائيلي.
إن تعثر مشاريع التهجير لا يعني تراجع المشروع الاستعماري الإسرائيلي، بل انتقاله إلى محاولة تكريس واقع الضم والأبرتهايد. لكن هذا الواقع نفسه قد يتحول إلى ساحة جديدة للنضال الفلسطيني من أجل نيل الحرية والحقوق المشروعه في مواجهة نظام فصل عنصري.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد