في الثامن من آذار كل عام يقف العالم أمام محطة إنسانية مهمة لاستحضار تاريخ طويل من نضال النساء من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة . ولم يعد هذا اليوم مجرد مناسبة احتفالية أو تقليد سنوي لتكريم النساء ونثر الورود فوق رؤوسهن التي أضناها التعب ، بل تحول إلى مناسبة عالمية لتقييم ما تحقق من إنجازات في مسيرة المرأة، واستنهاض الجهود لمواصلة الكفاح من أجل إزالة أشكال التمييز كافة وتعزيز دورها في مختلف مجالات الحياة.

تعود جذور هذا اليوم إلى بدايات القرن العشرين، حين طرحت الحركة النسوية العالمية قضية حقوق المرأة بوصفها قضية إنسانية عامة. ففي مؤتمر كوبنهاغن عام 1910 طرحت المناضلة التقدمية كلارا زيتكن فكرة تخصيص يوم عالمي للمرأة، ليكون مناسبة لتوحيد نضال النساء في مختلف أنحاء العالم من أجل حقوقهن السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ومنذ ذلك الحين تحول الثامن من آذار إلى رمز عالمي لنضال النساء وسعيهن إلى العدالة والمساواة.

لم يكن الطريق نحو هذا الاعتراف العالمي سهلًا، فقد سطرت النساء عبر العقود تاريخًا حافلًا بالتضحيات. سالت دماء كثيرات على دروب الكفاح، وانهمرت دموع العاملات في المصانع والمزارع، واختلط العرق بالألم في مواجهة التمييز والاستغلال. كما شكلت الأحداث المأساوية التي تعرضت لها العاملات في مطلع القرن العشرين، ومنها الحريق الشهير في أحد مصانع نيويورك الذي أودى بحياة عشرات العاملات، محطة مفصلية في النضال من أجل تحسين شروط العمل والاعتراف بحقوق المرأة.

ومع تطور الحركة النسوية العالمية، أخذ الاهتمام الدولي بقضايا المرأة يتسع، خاصة بعد إقرار  ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 الذي أكد مبدأ المساواة بين الجنسين بوصفه حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان. ومنذ ذلك الوقت أصبحت قضية تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في مختلف مجالات الحياة جزءًا من الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.

إن يوم المرأة العالمي ليس يومًا للاحتفاء الرمزي فحسب، بل هو يوم للتأمل في مسيرة نضال طويلة، ويوم لتجديد الالتزام بمواصلة العمل من أجل عالم أكثر عدالة وإنصافًا. فهو مناسبة لاستحضار الدور الكبير الذي لعبته النساء في صنع التاريخ وبناء المجتمعات، وفرصة كذلك لتقييم ما تحقق من تقدم وما بقي من تحديات.

في فلسطين يكتسب هذا اليوم بعدًا خاصًا. فالمرأة الفلسطينية لم تكن يومًا على هامش النضال الوطني، بل كانت دائمًا في قلبه. فمنذ بدايات القرن الماضي شاركت في تأسيس الجمعيات والمؤسسات النسوية، وأسهمت في العمل الاجتماعي والنقابي والثقافي، وبرزت في ميادين الأدب والعلوم، كما كانت حاضرة في مختلف مراحل الكفاح الوطني.

لقد حملت المرأة الفلسطينية أعباء مضاعفة نتيجة الظروف الاستثنائية التي يعيشها شعبنا تحت الاحتلال. فمنذ النكبة وما رافقها من تهجير ومآسٍ إنسانية، وجدت المرأة نفسها في مواجهة تحديات كبيرة، إذ اضطرت في كثير من الأحيان إلى الجمع بين أعباء الحياة اليومية ومتطلبات الصمود في وجه الاحتلال. ومع ذلك لم تتراجع عن دورها، بل ظلت عنصرًا أساسيًا في معركة البقاء والحفاظ على الهوية الوطنية.

وفي مختلف مراحل النضال الفلسطيني كانت المرأة حاضرة في الميدان. كانت الأم التي قدمت أبناءها شهداء دفاعًا عن الوطن، وكانت الأسيرة التي واجهت السجن بصمود، وكانت المقاتلة التي وقفت خلف المتاريس، وكانت العاملة في الحقول والمصانع، كما كانت المبدعة في الأدب والثقافة والبحث العلمي. لقد أثبتت المرأة الفلسطينية عبر هذه المسيرة الطويلة أنها شريك كامل في النضال الوطني وفي بناء المجتمع.

واليوم، في ظل الظروف القاسية التي يعيشها شعبنا، تتجلى صورة المرأة الفلسطينية بأوضح معاني الصمود. ففي قطاع غزة كما في الضفة الغربية و القدس تتحمل النساء أعباء إنسانية هائلة نتيجة الحرب والعدوان والنزوح المتكرر . فهن من يتحملن مسؤولية حماية الأسرة ورعاية الأطفال والحفاظ على تماسك المجتمع في ظل واقع بالغ القسوة، ومع ذلك تواصل المرأة الفلسطينية أداء دورها بثبات، مؤكدة أن إرادة الحياة أقوى من كل محاولات القهر والاقتلاع.

ورغم ما حققته المرأة الفلسطينية من حضور في الحياة العامة، بما في ذلك مشاركتها في المؤسسات السياسية والمجالس المحلية والتشريعية، فإن حجم هذا الحضور لا يزال أقل من مستوى تضحياتها وإسهاماتها الكبيرة، الأمر الذي يجعل من تعزيز مشاركتها الكاملة في صنع القرار ضرورة وطنية وديمقراطية في آن واحد.

إن المرأة الفلسطينية، التي وصفتها وثيقة الاستقلال بأنها “حارسة نارنا وحامية بقائنا”، جسدت عبر عقود طويلة معنى الصمود والعطاء. وهي تستحق، إلى جانب الاعتراف بتضحياتها، المزيد من التمكين والدعم لتأخذ مكانها الطبيعي في قيادة المجتمع وصنع مستقبله.

في يوم المرأة العالمي نتوجه بالتحية إلى نساء العالم أجمع، وإلى المرأة الفلسطينية الشامخة التي ما زالت تكتب فصولًا جديدة من الصمود والإبداع رغم كل الظروف. تحية للأم الصابرة، والزوجة الوفية، والأخت الصادقة، والابنة الطموحة، والزميلة في العمل، والرفيقة في الميدان.

كل عام ونساء العالم بخير،

وكل عام والمرأة الفلسطينية أكثر إصرارًا على مواصلة النضال من أجل الحرية والعدالة والمساواة

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد