يبدو أن ما يشهده النظام العالمي من اهتزازات تهدد الزعامة الأميركية الجالسة على عرشه منذ ثلاثة عقود ونصف العقد، لا ينعكس على الداخل الأميركي نفسه، بما يتمثل من اختلافات باتت بينة بين الحزبين متداولي السلطة، في كل الملفات الداخلية والخارجية، وحسب، بل يظهر على شكل تباينات في المواقف داخل إدارة دونالد ترامب الحالية، فبعد أن وجه نائب الرئيس جي دي فانس، قبل عام انتقادات لاذعة وصلت حد الوقاحة لأوروبا، في مؤتمر ميونيخ الأمني، جاء خطاب وزير الخارجية ماركو روبيو هذا العام مناقضا تماما لخطاب فانس السابق، فقد تحدث عن وحدة بلاده مع أوروبا، لدرجة انه وصف أميركا بأنها ابنة أوروبا، ورغم أن روبيو تحدث عن الموضوعات نفسها، وأكد مواقف إدارته الثابتة منها، إلا أن لهجته التصالحية كانت واضحة.

ولم يعد سرا تباين المواقف داخل إدارة ترامب فيما يخص الشرق الأوسط على نحو خاص، بينما التباين بين سياسة الجمهوريين التي يقودها ترامب حاليا تجاه هذا الملف بتفاصيله، والديمقراطيين هو اكثر وضوحا، لكن بالعودة إلى ما قاله روبيو في مؤتمر ميونيخ، فإن خطابه يعتبر سعيا أميركيا لخطب ود الأوروبيين، وذلك بعد أن بدأ ترامب ولايته الحالية، بشن هجوم التعرفة الجمركية على الخصوم والحلفاء على حد سواء، بمن فيهم كندا، المكسيك وأوروبا، ثم ظهر التباين اكثر فيما يخص ملف حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة ، وحين كان ترامب يمنح نتنياهو كل ما من شأنه مواصلة الحرب، كان الأوروبيون يواصلون الاعتراف بدولة فلسطين، وصولا إلى رعاية الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون مؤتمر حل الدولتين في نيويورك عشية انعقاد المؤتمر السنوي للجمعية العامة.

ولا بد من الإشارة إلى أن الطبيعة الشعبوية لإدارة ترامب التي وصلت البيت الأبيض على أجنحة شعار "أميركا أولا"، يظهر افتراقها بشكل أوضح مع حكومات أوروبية محسوبة على اليسار التقليدي مثل حكومة كير ستارمر البريطانية أو على يسار الوسط، كما هو حال الحكومة الفرنسية والرئيس الفرنسي، أو الحكومة الإسبانية، كذلك إلى أن أوروبا أكثر أخلاصا لإرثها الثقافي والأخلاقي، كذلك هي تستمد مكانتها التقليدية حين يجتمع مثلث دول "ألمانيا، فرنسا وبريطانيا" بما يجمعه من قوة عسكرية تقليدية ونووية لدى بريطانيا وفرنسا ومن قوة اقتصادية لدى ألمانيا، ومن قوة سياسية ناجمة عن نظام عالمي يرتكز على الأمم المتحدة بقوانينها ومؤسساتها القضائية والإغاثية، وذلك لتمتع دولتين من اصل خمس في العالم بحق النقض ــ "الفيتو" هما فرنسا وبريطانيا.

وأوروبا بالعديد من دولها حققت إنجازات مهمة من التعدد العرقي، وتجاوز كثير من دولها خاصة الشمالية منها، ما ظهر عليها من شيخوخة مجتمعية من خلال الهجرة التي يحاربها ترامب وإدارته، بل هناك دول يمكن القول، إن عدد مواطنيها من أصول غير أوروبية هم اكثر عددا من مواطنيها من الأصول الأوروبية، أما ترامب فيرى بعينه العنصرية أن الهجرة تهديد حضاري، بل إن روبيو في خطابه الذي قوبل بالثناء الأوروبي اعتبر الهجرة أزمة تهدد استقرار المجتمعات الغربية، لكن الجديد أو المختلف في خطابه عن خطاب فانس قبل عام كان تركيز وزير الخارجية الأميركية على ما يوحد أميركا وأوروبا، لدرجة انه قال، إن قدرهما أن تكونا معا، وذلك عبر ما وصفه "بتجديد للنظام العالمي".

من الواضح، أن خطاب روبيو لا يمثل تراجعا عما سارت عليه السياسة الخارجية الأميركية منذ عاد ترامب للبيت الأبيض قبل أكثر من عام، وذلك بالسير على طريق مفارق للطريق الأوروبي فيما يخص الحرب الروسية ــ الأوكرانية، بعد فرض التعرفة الجمركية على الجميع، وليس فقط فيما يخص ملف الشرق الأوسط، فقط، ولكن وصل الشقاق أوجه حين اعلن قبل أسابيع قليلة عن حاجته للسيطرة على غرينلاند بكل الوسائل بما في ذلك استخدام القوة، ليواجه بتهديد أوروبي جماعي، بفك التحالف العسكري معه المتمثل في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وباحتمال الاصطدام العسكري أيضا، فيما تحركت بعض دول الغرب نحو الصين، مثل كندا، ثم بدأ الحديث يدور في أوروبا نفسها عن فتح أبواب التفاوض مع روسيا، حول أوكرانيا، إلى أن وصلت شقة الافتراق لأبواب "مجلس ترامب للسلام" الذي ادعى أولا بأنه من اجل غزة، ثم دعا له 60 دولة للمشاركة فيه، على أساس جمع المليارات، ما أثار ريبة وشك الأوروبيين، ليعلنوا عن عدم المشاركة في المجلس، بل وعبروا عن خشيتهم من انه بمثابة بديل للأمم المتحدة.

فجأة، يبدو أن تحويل إدارة ترامب لدفة الحرب والصراع الكوني نحو ايران، أي بعيدا عن غرينلاند وحتى أوكرانيا، يستهدف الصين بالنتيجة، ذلك أن الصين تقبع وراء ايران، وسيطرة ترامب على ايران بعد فنزويلا، تعني سيطرته على معظم احتياط النفط العالمي، ويبدو أن هذا سمح لروبيو بأن يقدم خطابا مقبولا على الأوروبيين، ولو مؤقتا، ويبدو كذلك بأن إدارة ترامب بعد عام من الدخول "بصدر حامي" لمقدمة وسط مسرح السياسة العالمي، بفتح أبواب الصراع والخلاف مع الجميع، باتت تدرك مخاطر هذه السياسة، فمحاولة ترامب مغازلة روسيا، والتفرد بالصين، بدت أنها رؤية تنتمي للماضي، تحديدا لسنوات ولاية ترامب الأولى قبل عشر سنوات، وان أميركا مع إسرائيل فقط، لا يمكنها لا أن تحافظ على نظامها العالمي من مخاطر الانهيار، ولا أن تذهب إلى نظام عالمي تكون هي فيه القطب الأول، إن لم يكن الوحيد، لذلك فإن روبيو، وهو بالمناسبة مع فانس يشكلان مع ترامب مركز الإدارة الأميركية، يحاول أن يعيد التوازن الدولي، بما يشبه ما كان عليه الحال إبان الحرب الباردة.

وفي الحرب الباردة كان العالم ثنائي القطبية، مشكلا من معسكرين متقابلين، عسكريا وسياسيا، ومختلفين أيديولوجيا، هما معسكر الغرب الرأسمالي، ومعسكر الشرق الاشتراكي، وكان الشرق يستند إلى ثنائية غير متجانسة بكل من الاتحاد السوفياتي (روسيا) والصين، والدليل على عدم التجانس هذا كان يتمثل في أن الصين كانت ضمن مجموعة دول عدم الانحياز، والأهم أنها لم تكن ضمن حلف وارسو العسكري الذي كان يقابل حلف "الناتو"، وكان مشكلا من روسيا ودول أوروبا الشرقية الشيوعية، بينما كان الغرب يستند لثنائية أميركا (الولايات المتحدة) وأوروبا الغربية، التي لم تكن مجتمعة في الاتحاد الأوروبي، اليوم، تبدو ثنائية القطبية التي تشكلت على ارض الواقع الميداني، واتضحت من خلال حربي السنوات الماضية في شرق أوروبا، بين روسيا وأوكرانيا وفي الشرق الأوسط، من جبهة تتمثل في وحدة الحال بين الصين وروسيا، وما تحاول الدولتان جمعه من دول أخرى، في إطار "بريكست" الاقتصادي، حيث تبدو العلاقة بينهما أوثق مما كانت عليه في الحرب الباردة، وهذا الثنائي يبقي على صفته كشرق، تطلب من الولايات المتحدة، على ما يبدو أن تفكر جديا، في إحياء تحالفها الغربي الذي تعرض للاهتزاز حول ملفي غرينلاند وأوكرانيا.

ما زال الأمر في حالة إرهاص أولى، فالصراع الكوني يدور حول محور التنافس الاقتصادي بين الصين كقطب صاعد وأميركا كقطب هابط، والصين تفتقر للطاقة، بينما لديها المعادن الثمينة ونسبة النمو الاقتصادي، وأميركا لديها قوة عسكرية يسعى ترامب إلى استخدامها لتعويض ما ينقص بلاده من نسبة نمو اقتصادي، وربما يكون اخطر ما يواجهه ترامب هو انه في الوقت الذي يريد فيه الحفاظ على النظام العالمي الذي يتزعمه، يتجاوز هذا النظام بإطاره الأممي، وإذا كانت الصين تغري الآخرين بعلاقات تجارية عادلة، فإن عجزها عن حمايتهم من بطش "الهراوة" الأميركية يحول دون انضمامهم علنا لها، مع أن نديتها لأميركا شجعت كثيرا من الدول على إفشال قرارات ترامب الخاصة بالتعرفة الجمركية، وكذلك تشجع الدول تباعا على نزع اهم ورقة اقتصادية بيد أميركا وهي التداول بالدولار.

أما محاولة أميركا لجذب أوروبا، بعد أن استمالتها بتحويل دفة الصراع نحو "نووي ايران"، فتتجلى فيما قاله روبيو حول تجديد النظام العالمي، لكن الكلام يحتاج إلى إثباته بالفعل، ذلك أن تجديد النظام العالمي يعني أن يرتكز على اربع قواعد، وان يصبح رباعي القطبية وليس أحاديا كما هو حاله منذ تسعينيات القرن الماضي، ولا ثنائيا كما كان حاله خلال الحرب الباردة، وهذا يكون من وجهة نظر الأوروبيين من خلال احترام القوانين الدولية، وتعديل نظام مجلس الأمن بحيث لا تتعطل قراراته باستخدام "الفيتو" من قبل دولة واحدة، وفي مجلس الأمن تكمن صورة الأقطاب الأربعة: الصين، روسيا، أميركا وأوروبا ممثلة بفرنسا وبريطانيا، وفي احترام منظومة القرارات الدولية بما فيها الأحكام القضائية، فهل تضحي أميركا بإسرائيل مثلا، من أجل اعادة وحدتها الكونية مع أوروبا؟.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد