يأتي شهر رمضان هذا العام على غزة مثقلاً بما لم تعرفه المدينة في تاريخها الحديث من ألمٍ وخراب. بعد ثمانية وعشرين شهراً من الإبادة، لم يعد استقبال الشهر الفضيل كما كان؛ فلا الزينة تملأ الشوارع، ولا أصوات الباعة تسبق أذان المغرب، ولا العائلات تجتمع حول موائد عامرة كما اعتادت. رمضان اليوم يطرق أبواب مدينة جريحة، أنهكتها الحرب، وغيّرت ملامحها، وبدّلت تفاصيل الحياة فيها.
آلاف الجرحى والمعاقين يشكّلون شاهداً حياً على قسوة المرحلة. بيوتٌ هُدمت، ومدنٌ أُزيلت من الخارطة، وأماكن كانت تضجّ بالحياة أصبحت ركاماً. أكثر من مليون ونصف نازح يعيشون في خيام، يتقاسمون ضيق المساحة وقسوة الطقس وقلق الغد. في مثل هذه الظروف، يصبح الحديث عن "أجواء رمضان" ترفاً مؤلماً، بينما الأولوية هي لتأمين الماء، والخبز، ووسيلة للطهي، ومكان آمن للنوم.
رغم عودة بعض البضائع إلى الأسواق مؤخراً، إلا أن القدرة على الشراء ليست متاحة لكثيرين. البطالة مرتفعة، والعمل شبه معدوم، والحصول على النقد مهمة شاقة. أكثر من 90% من سكان غزة يعتمدون على المساعدات الإغاثية لتأمين احتياجاتهم الأساسية. وهكذا يتحول رمضان، شهر الكرم والعطاء، إلى شهر انتظار المعونة، وترقّب قافلة مساعدات، أو دور في طابور طويل تحت الشمس.
لكن الوجع ليس مادياً فقط. هناك وجع الفقد؛ فقد الأحبة الذين غابوا، والبيوت التي كانت تحضن الذكريات، والمساجد التي كانت تمتلئ بالمصلين في التراويح. هناك وجع المدن التي تغيّرت ملامحها، والأماكن التي كانت تشكل جزءاً من الهوية الشخصية والجماعية. رمضان بطبيعته شهر العائلة واللمة، لكن كثيراً من العائلات باتت ناقصة، أو مشتتة، أو تعيش في خيمة لا تتسع لأحزانها.
ويضاف إلى ذلك شعور دائم بعدم الأمان، وفوبيا الخوف من عودة الحرب في أي لحظة. الطمأنينة، التي هي شرط أساسي للشعور بروحانية الشهر، أصبحت حلماً بعيداً. كيف يمكن للصائم أن يستشعر السكينة وهو يخشى صوتاً مفاجئاً، أو خبراً عاجلاً يعيد شبح الدمار؟ كيف تُبنى حياة كريمة هادئة وسط هذا القلق المستمر؟
ومع ذلك، يبقى في غزة شيء عصيّ على الانكسار. في الخيام تُعلّق فوانيس بسيطة مصنوعة من بقايا الكرتون، وعلى موائد متواضعة تُقسم اللقمة بين أفراد الأسرة، وفي المساجد التي ما زالت قائمة أو في ساحات مؤقتة للصلاة، يرتفع الدعاء جماعياً. ربما لا يملك الغزيون هذا العام وفرة الطعام، لكنهم يملكون إصرار البقاء، وروح التكافل التي تتجلى حين يتشارك الجار ما تيسّر مع جاره.
رمضان في غزة هذا العام ليس شهر مظاهر، بل شهر معنى. معنى الصبر حين يطول الانتظار، ومعنى التضامن حين تضيق الموارد، ومعنى الإيمان حين تتكاثر المحن. إنه رمضان الألم، نعم، لكنه أيضاً رمضان التمسك بالحياة رغم كل شيء. وبين ضيق العيش ووجع الفقد، يظل الأمل، ولو خافتاً، حاضراً في دعاء أمٍ عند الإفطار، وفي نظرة طفل ينتظر عيداً مختلفاً، وفي قلوب تؤمن أن بعد العسر يسراً.
هكذا سيستقبل الغزيون رمضان: بقلوب مثقلة، وبيوت مهدمة، وخيام تحاول أن تصنع دفئاً، لكن أيضًا بإرادة لا تزال تقاوم الانكسار، وبإيمان يبحث عن طمأنينة وسط العاصفة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
