حالة الاضطراب التي تعيشها أميركا في هذه الأيام لم يسبق أن عاشتها على مدار عقود كاملة، ويمكن أن لا تكون قد عاشتها منذ أكثر من قرن كامل، ولهذا فإن الاضطراب هو مصيري.
وهناك ما يدعم هذه الفرضية بالكامل، إذا ما كان الحديث يدور حول دور أميركا في عالم اليوم، وفي كل مراحل ما بعد الحرب العالمية الثانية عندما تحوّلت إلى أقوى دولة في العالم من كل الزوايا والجوانب، وعلى مختلف المستويات، وفي كل المجالات.
لكن الفكر السياسي، وعلماء الاقتصاد والاجتماع، وكل المدارس التي حاولت قراءة «المستقبل» الأميركي في مرحلة التحوّل الأميركي نحو قيادة العالم بقيت ترى في أميركا القوة الإمبراطورية الأهمّ والأكثر قدرة وكفاءة بالمعنى النسبي طالما أن الاتحاد السوفييتي كان على مسرح المنافسة، وطالما أن «الحرب الباردة» لم تحسم لمصلحة أميركا، وطالما أن التنافس في إطار النظام الرأسمالي كان مستتراً وخامداً بسبب وجود المنافس السوفييتي.
بعد أن ربح «الغرب» «الحرب الباردة»، وبعد أن سقط «المعسكر الشرقي»، وتحوّلت روسيا إلى مجرّد دولة إقليمية ليس أكثر، وإلى دولة تنهشها الاضطرابات الاجتماعية، والتحدّيات الاقتصادية «الجديدة» في حينه، وبعد أن كشف هذا الواقع، وأدّى، أيضاً، إلى هشاشة سياسية لأكثر من عقد كامل تربّعت أميركا على عرش العالم من دون تنافس حقيقي، وتزعّمت قيادة العالم، وأصبح الأخير كلّه مطالباً، ومضطراً للتسليم بهذا الواقع الجديد، وبدأ عصر «نهاية التاريخ» كما نعلم، وكما عبّر عنه فرانسيس فوكوياما.
في ظل هذا الواقع الجديد دخلت أميركا عصر العولمة العالمية الجديدة تحت قيادة المدرسة النيوليبرالية، وتحولت هذه العولمة الجديدة إلى أمركةٍ جديدة تحوّلت بموجبها إلى فرض شروطها على التجارة الدولية، وأصبحت هذه الشروط بمثابة جواز السفر للعبور نحو قبول الهيمنة الأميركية، والانضباط لقواعدها المحدّدة، والالتزام الصارم بتعليماتها تحت طائلة الحصار والنبذ والعقوبات، وتحت التهديد المباشر بالحرمان من الانخراط الاقتصادي بالأسواق العالمية، وتهميش كل من تسوّل له نفسه التمرّد على هذا الواقع، وتجريده من حقوق التمويل الدولي، ناهيكم عن المساعدات، وانقسم العالم إلى دول صناعية متطوّرة تقود الاقتصاد العالمي، وتحدّد اتجاهاته، وتتحكّم بمساراته، «دول السبع»، ثم «دول العشرين»، وأشكال لا حصر لها من آليات الهيمنة والتحكّم والسيطرة.
وتمّ في ضوء ذلك كلّه بلورة مفاهيم جديدة للأمن، وبدأت الاتفاقيات العالمية للأمن في أوروبا الجديدة، ثم آسيا، وأستراليا، ومناطق أخرى، وأبقت أميركا على حلف شمال الأطلسي، بل ووسّعت من نفوذه، وأصبحت تركّز في هذا التوسّع للنيل من روسيا تحديداً، معتقدةً أن أوضاعها الاقتصادية لن تسمح لها بالصمود أو القدرة على المواجهة.
ودخلت النيوليبرالية مرحلة التوحّش المباشر، وشنّ الحروب، والتنكيل بشعوب البلدان النامية، ونهب ثرواتها ومواردها، والسيطرة على مجتمعاتها.
الاقتصاد الأميركي لم يتمكّن من تحمّل مرحلة التوحّش وتبعاتها لأن الحروب كانت مكلفة، وكانت زعزعة روسيا و»حصار» الصين مكلفين أكثر، والاقتصاد الأميركي الذي كان يعتمد على قوة الدولار أكثر من اعتماده على تحديث البنى التحتية، ورفع الكفاءة الإنتاجية، ثم استخدام الأدوات المالية والارتهان لهذه الأدوات قد أدّى إلى انفجار الفقاعة العقارية في العام 2008، ما أجبر الرأسمالية الأميركية على دعم الشركات الكبرى، ومنع الانهيار الشامل للبنوك، وهو ما أدّى للمرّة الأولى إلى اهتزازات اقتصادية، واتساع الفجوة بين القطاعات الإنتاجية وبين المؤشّرات المالية لقياس حالة الاقتصاد الأميركي، وهكذا دخل الاقتصاد الأميركي في مرحلة من العجز الحقيقي على النمو، والإبقاء على صورة تضخّم القيمة المالية للشركات العملاقة في مجال الاتصالات، وفي مجالات تكنولوجية عالية الأهمية المالية، وفقيرة القاعدة الإنتاجية المستدامة حتى وصلنا اليوم إلى القصور الكبير في القدرة على التعامل مع أزمة الديون الفلكية، وعلى التعامل مع العجز الفاضح في مجاراة المعدلات العالية للنمو في الصين، وفي التعامل مع نتائج الفشل في أوكرانيا ما أفضى إلى بدء الإقرار بالانكفاء الأوّل منذ الحرب العالمية الثانية كما عبّرت عن ذلك وثيقة أو إستراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة، والتي حصرت النفوذ الأميركي المباشر في النصف الغربي من الكرة الأرضية، والمباشرة ببدء الانسحاب التدريجي المنظّم لصالح هذه الإستراتيجية الجديدة.
«الترامبية» بهذا المعنى هي التعبير المباشر عن الأزمة الأميركية التي نتجت عن سقوط النيوليبرالية في قلعتها الأكبر، دون التنازل عن توحّشها حتى الآن.
إحدى أهمّ مصائب «الترامبية» هي شخصية رئيس أميركا دونالد ترامب.
وأزمة «الترامبية» تتجلّى في أن «أميركا العظيمة» والتي يطمح ترامب للوصول إليها تستحيل مع سلوكياته والتي تنكر وجود الأزمة البنيوية في الاقتصاد الأميركي، بل وتصويره أن النجاح هو في القدرة على إظهار الفشل للرئيس السابق جو بايدن، أو الرئيس الأسبق باراك أوباما، أو أن أميركا يمكن لها استعادة كل «أمجادها» بوساطة إنهاء وتصفية الأصول الدستورية الثابتة في المجتمع الأميركي، وفي الانقلاب على حالة الشرعية الدولية برمّتها، أو بتفكيك معسكرات الحلفاء وإعادة صياغة هذه الشرعيات، الأميركية منها والدولية، وتحويل العلاقات الدولية بما تتضمّنه من تناقضات وتعقيدات وتداخلات وتقاطعات، ومن تناقضات في المصالح والسياسات والتوجّهات، وبحيث تتم الاستعاضة عن كل ذلك «بالخليّة العقارية» التي تجثم اليوم على صدر المجتمع الأميركي، وعلى صدور العالم كلّه.
والحقيقة أن ما يقوم به ترامب ليس سوى الشكل الذي يهرب من خلاله إلى الأمام تفادياً للعجز والفشل، وطمعاً بأن يُجبر العالم على الإذعان لخططه الهادفة إلى تدفيعه كلّه ثمن أزماته وإخفاقاته والعجز الذي لم يتمكن من إيجاد أي حلول ناجزة له حتى الآن.
وفي هذا الإطار خسرت أميركا، أو هي في الطريق إلى خسارة كل الأصدقاء والحلفاء، وعلى المستوى الداخلي فقدت «الترامبية» بريقها، وأصبح ترامب العنوان الأوّل في كل أزمات أميركا الداخلية. والحقيقة الماثلة اليوم، وبعد عام من تولّيه الرئاسة سقط ترامب في شرّ أعماله على كل الصعد والمستويات.
وما إن بدأ بصورة منهجية ومنظمة بتصفية معاقل معارضيه في مؤسّسات الدولة والمجتمع الأميركي معتمداً على الأغلبية الجمهورية حتى بدأت تنكشف نقاط ضعفه القاتلة، وحتى أصبحت عمليات مواجهة أخطاره تأخذ شكل الهجوم المعاكس المنظّم والمدروس بعناية تامة على ما يبدو.
لقد جرّب ترامب «حظّه» في إخضاع أوروبا بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند ولكنه فشل، وجرّب حظّه في السياسات الجمركية وفشل، وجرّب حظّه في فنزويلا ولم يستطع الحسم، ولم يخرج منها حتى الآن سوى باختطاف مافيوي لرئيسها نيكولاس مادورو، وحاول استمالة روسيا لحل ملفّق في أوكرانيا وفشل، وحاول مع المكسيك ولم يحصد سوى خيبة الأمل، وحاول التطاول على كندا فتلقّى صفعة قوية، ولم يتبقّ له سوى التهديد بالحرب على إيران.
هنا وقع ترامب في فخٍّ نُصبَ له بعناية فائقة على ما يبدو، فمن ناحية اكتشف أن الحرب باهظة الثمن، وتُخاض في هذا التوقيت ليس بالتوقيت الأميركي، وإنّما بالتوقيت الإسرائيلي، واكتشف من ناحية أخرى أن عدم خوضها سيكلّفه ثمناً باهظاً من تبعات الفضائح التي أفرجت وزارة العدل الأميركية عنها، بصرف النظر عمّا تبقّى في الأدراج من خفايا وأسرار وزوايا معتمة، وهو يعرف ثمن كل تردّد في الحرب. ترامب عالق الآن في هذه الزاوية الحرجة الخانقة.
الفضائح ستجلبه إلى ساحة الاتهام المباشر، والإنكار الذي حاول أن يسوّقه على المجتمع الأميركي لن يطول كثيراً، وكل ما حاول أن يصوّره بكون أن هذه الفضائح هي لعبة سياسية من «الحزب الديمقراطي» لم تنجح، لأن الرموز التي أشار إليها بالذات هي التي تهدّده علانية، وهي التي تتوعّد بكشف المستور كلّه.
وتحوّلت «الشمشونية» السياسية الآن، إلى العنوان الأهمّ والأخطر في أميركا، فالكلّ يهدّد بها، والكلّ يتوعّد بها، والكلّ بات مستعداً لخوضها إذا لزم الأمر، والكلّ من عامّة النّاس بات يرغب بالكشف عن الحقيقة.
ليس سهلاً الانزلاق نحو هذه الهاوية، ولكن لم يعد سهلاً أن تمرّ الفضائح دون أن يدفع الكثيرون من «أبطالها» الثمن الذي يستحيل أن تبقى أميركا واقفة على أرجلها دون هذا الثمن.
وتبقى مسألة الحرب معلّقة بانتظار فيما إذا كانت اللوبيات الصهيونية قادرة على «إدارة» هذه الأزمة دون أن تجد نفسها في صدام مباشر مع قطاعات واسعة من المجتمع الأميركي، ومن قطاعات مهمّة ومؤثّرة من جماهير «الحزب الجمهوري»، ومن قاعدة ترامب الشعبية تحديداً.
كل ما يجري، ويبدو أنه عملية خبيثة من العمل الاستخباري ارتدّ الآن على رؤوس أصحابه، وعلى رؤوس القائمين عليه، وعلى رؤوس من كان يعتقد أنه فرصة سانحة لتحقيق أهداف سياسية كبرى.
الأزمة الداخلية في مظهرها الفضائحي، وتجلّياتها السياسية ليست سوى النتيجة لعمق أزمة أميركا بما فيها الانسياق التام لسياستها في دعم وحماية وإسناد الاحتلال الإسرائيلي، وسياساته، ومفاهيمه وثقافته وكل أكاذيبه.
«عليّ وعلى أعدائي» ليست إستراتيجية قابلة للتطبيق بسهولة، ولكنها التعبير عن عمق الأزمة، ليس لدى «الغرب» فقط، وإنّما عن عمق الأزمة في أميركا، وعن عمق أزمة الصهيونية التي تبدو أنها الفصيل الأشرس في إمبريالية العالم، والأكثر دمويةً وعنصريةً في «الغرب» كلّه.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
