ثمّة حشد من السفن الأميركية الحربية يتجه نحو المنطقة، هذا بعد أن أكد الرئيس دونالد ترامب أكثر من مرّة، أن حشداً ضخماً من السفن الحربية كان قد استقر في الشرق الأوسط وبالقرب منه.
التهديد الأميركي بضرب إيران، ما لم تذهب إلى المفاوضات وتبدي استعداداً حقيقياً للامتثال للشروط الأميركية، رافقته كل الوقت تحرّكات عسكرية بحرية وجوية، في محاولة لتكثيف الضغط ولتأكيد جدية التهديدات.
كان المخطّط الأمروإسرائيلي واضحاً، حيث راهن الطرفان على أن تؤدّي الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها إيران مؤخّراً إلى إسقاط النظام أو على أقلّ تقدير لإضعافه إلى أبعد الحدود.
كان تصدّي الأجهزة الأمنية والشرطية الإيرانية للمحتجين وأعداد من المسلّحين قد أدّى إلى سقوط بضعة آلاف من الطرفين، فضلاً عن أعداد كبيرة من المعتقلين، فكانت تلك الذريعة المتوفّرة، للتغطية على التدخل العسكري المحتمل، لكن هذه الذريعة سرعان ما إن سقطت، واضطر ترامب لأن يلحس تهديداته بالانتصار للمحتجّين.
التهديدات الأمروإسرائيلية المتزامنة مع تدخّل ناعم على الأرض، لم تترك لدى الإيرانيين أدنى شبهة بالاستعداد لإظهار الضعف بل قوبلت التهديدات بتهديدات مقابلة بأن أي ضربة لإيران إن كانت محدودة أو موسّعة، فإنها ستؤدّي إلى إشعال حرب شاملة، وبأن إيران استكملت استعداداتها لمثل هذه الحرب.
الخطاب الإيراني أظهر قدراً من العقلانية تجاه مخاوف الجيران في الخليج العربي، حيث تمّ تحييد هذه الدول في حال نأت بنفسها عن المشاركة أو تقديم تسهيلات لضرب إيران، وإلّا فإن الصواريخ الإيرانية ستستهدف القواعد الأميركية فقط وستقوم بإغلاق مضيق هرمز.
كلّ الإشارات تذهب نحو أن إيران حصلت على مساعدات عسكرية صينية وروسية، خلال المرحلة التي أعقبت حرب الـ 12 يوماً العام المنصرم، ما يشير إلى أهمية إيران بالنسبة للطرفين الأمروإسرائيلي والصيني الروسي.
ربّما كان هذا التطور واحداً من الأسباب التي أدّت إلى تأجيل الضربة الأميركية، فضلاً عن مواقف دول المنطقة التي أعلنت أنها لن تسمح باستخدام أجوائها للمساعدة في التصدّي للصواريخ الإيرانية.
المشكلة أو إحدى المشاكل الأساسية أن ترامب رفع سقف شروطه إلى أعلى مستوى ممكن، بحيث يصعب تحقيقها، فالتنازل عنها يشكل ضربة لمصداقيته، والسعي لتحقيقها بالقوة العسكرية ليس مضموناً، وسيؤدّي إلى إثارة مخاوف حلفاء أميركا في المنطقة، ودول أخرى ستكتوي بشظايا القصف الأميركي.
التسريبات التي تؤكّدها إعلانات الدولة العبرية المتكرّرة تتحدث عن تصفير النووي الإيراني، وإنهاء التخصيب تماماً، وتسليم المخزون لرقابة أميركية، والتدمير الشامل بمعنى تحطيم أجهزة الطرد المركزي، وإغلاق مفاعلي «نطنز» و»فوردو»، وكاميرات للتفتيش في كل زاوية، وإنهاء الصواريخ الباليستية ــ أبعد من 2000كم ــ ووقف دعم الفصائل في المنطقة، وفوق كل هذا إصلاحات سياسية شاملة تسمح للمعارضة بالعمل وإطلاق سراح السجناء.
في الحقيقة فإن ترامب يرغب في أن يحقق كل هذه الشروط أو القسم الأكبر منها على الأقل، من خلال المفاوضات، وإلّا فإنه لا يستطيع التراجع عن تهديداته ذات الطابع الحربي المغامر بعد أن كلّفت تحرّكات القوى العسكرية مئات ملايين الدولارات.
الحساب الأميركي إزاء إيران يختلف عن الحساب الإسرائيلي، حيث يرى بنيامين نتنياهو المطلوب للجنائية الدولية أن أي تسوية أو اتفاق مع إيران، التي أعلنت أن المفاوضات لا تتجاوز الملف النووي، ستشكل انتصاراً لإيران، وتبقي التهديد الوجودي لإسرائيل قائماً.
دولة الاحتلال لا تهتمّ كثيراً أو حتى قليلاً، بما سيقع على عاتق حلفاء أميركا في المنطقة أو في جوارها، ولا حتى ما يستتبع حرباً واسعة على حركة التجارة وأسعار النفط والغاز.
أميركا لا تستطيع المغامرة بمصالح ومواقف حلفائها الخليجيين، خصوصاً بعد أن اهتزّت الثقة بين الطرفين بعد الضربة التي تلقّتها قطر من دولة الاحتلال، ما فتح على تغيّرات إستراتيجية في التحالفات، ونحو توسيع إطار هذه التغيّرات في حال نشوب حرب في المنطقة.
ثمّة عامل آخر لا بدّ من ملاحظته بالنسبة لمواقف دول المنطقة التي بدأت تستشعر الخطر الإسرائيلي على الأمن القومي لبعض الدول، مقابل سياسة عقلانية نسبياً تتبعها إيران في العلاقة مع دول المنطقة، خصوصاً دول الخليج.
يبدو أن نتنياهو استشعر الخطر، بعد الجولة الأولى للمفاوضات التي انعقدت في مسقط الجمعة المنصرمة، ولاقت استحسان الطرفين، ولذلك فإنه لم يكتفِ باللقاءات التي أجراها معه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قبل انطلاق المفاوضات بأيّام قليلة، فقرّر أن يذهب إلى المصدر حيث يقوم بزيارة عاجلة للبيت الأبيض ليوم واحد.
لم ينتظر نتنياهو اجتماع «مجلس السلام» الذي دُعي إليه في التاسع عشر من هذا الشهر، ما يعني أن لديه مخاوف حقيقية، وربّما لديه معطيات استخبارية يحاول من خلالها تحريض ترامب للذهاب نحو حرب مع إيران، ثمّة مخاوف جادّة من أن تبادر دولة الاحتلال إلى توجيه ضربة لإيران لتوريط الجانب الأميركي، وقطع خط الدبلوماسية.
في تقدير الاحتمالات، يبدو من الصعب أن تنجح إيران في إقناع أميركا، بالاكتفاء بالحدّ الأدنى من تلبية الشروط الأميركية، ذلك أن الموافقة على تلك الشروط أمر غير وارد بالنسبة للقيادة الإيرانية باعتبار أن تلك الشروط ستعني الاستسلام والتفريط بالسيادة والحقوق.
وفي المقابل لا نظنّ أن ترامب سيقبل باتفاق شكلي بعد أن صعد إلى أعلى الشجرة، إذاً فاحتمال الحرب هو المرجّح، والخشية أنّ هناك ثمّة عملية تضليل مكثّفة كالتي سبقت ورافقت الحرب السابقة.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
