قوبل إطلاق تطبيق (أب سكرولد UpScrolld) لتحميل الفيديوهات القصيرة بالكثير من ال حماس والترحاب من قبل المستخدمين الذين حرمهم نظام الرقابة على المحتوى من نشر أفكارهم أو حتى لحظات فرحهم.
لقد نجح الفلسطيني عصام حجازي عبر فكرته البسيطة في كسر احتكار هيمنة الخوارزميات وإعادة توجيه الرأي العام العالمي من خلال تهميش أي فيديو قد يتسبب في المساس بمنظومة أفكار الهيمنة السائدة، وبالتالي توفير منصة بديلة للمحتوى المهمش الذي يتعرض للتمييز والحرمان على يد الخوارزميات والسلاسل التي تحذف تلقائياً كل ما يتعارض مع سياسات المحتوى المهيمن والخطاب الموجه لخدمة مصالح الشركات ومموليها من أنصار السياسات العالمية التي تقع ضحيتها عادة قضايا الشعوب المظلومة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية ومحتواها.
إن واحدة من أبشع الحروب التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني هي ما أطلقنا عليه في برنامج الحكومة الثامنة عشرة حرب الرواية، والتي قامت الحكومة وقتها بإطلاق برنامج حكومي شامل ومتكامل لحمايتها وتعزيز السردية الوطنية بل وتم استحداث إدارة عامة خاصة في وزارة الثقافة تكون وظيفتها الإشراف على هذا البرنامج الحكومي ببعده الوطني العام.
لقد دأبت الصهيونية على محاربة الرواية الفلسطينية قبل غرس دولة إسرائيل على التراب الوطني الفلسطيني وقبل سرقة البلاد من أهلها، وتميزت حرب الرواية تلك في طمس كل معالم السردية الفلسطينية وقتل أي فرصة لتظهيرها في المحافل الدولية وتقديم سردية مشوهة عن الواقع كما عن التاريخ وبالتالي عن ضرورات المستقبل. ففلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض وبالتالي فإن الأرض الخراب تنتظر المستوطن الجديد الوافد من أوروبا من أجل تخضيرها وتشجيرها وإعمارها، والمدن الباهتة الخالية من معالم الحياة الحديثة بحاجة لمن يبث فيها الحياة وينشئ فيها المسارح ودور السينما والمتاحف ويطلق الصحف ودور النشر والمكتبات وصالات الموسيقى. كانت تلك الكذبة الكبرى التي تم تسويقها حول البلاد التي كانت الأكثر تقدماً في المنطقة والأقل نسبة أمية في حوض المتوسط تاريخياً وبالتالي تصوير هجرة المستوطنين اليهود الهاربين من جحيم التاريخ الأوروبي بوصفها استكمالاً لمشروع التعمير الأوروبي الذي بدأ في حقيقته مع احتلال العالم الجديد وذبح سكان القارة الشمالية الأصليين وبناء مدن وولايات صارت فيما بعد تعرف بالولايات المتحدة الأميركية.
على مدار عقود، تعرضت الرواية الفلسطينية لمحاربة قاسية بسبب هيمنة الصهيونية على مصادر المعلومات والإعلام في العالم وتم دائماً حرمان الفلسطينيين من كل فرصة لأن يتم سماع صوتهم. وكان النضال من أجل جعل الصوت الفلسطيني مسموعاً يكلف المرء حياته؛ لذلك قدمت الدبلوماسية الفلسطينية رموزها شهداء في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي من خيرة السفراء الفلسطينيين فيما أطلق عليه الراحل خالد الحسن في مؤلف له حول الدبلوماسية في الساحة الأوروبية بدبلوماسية المواجهة. في دبلوماسية المواجهة، نجحت منظمة التحرير في إحداث تحول واضح في بعض المواقف الأوروبية تمثلت في خلق علاقات سياسية أو ربما فرض تلك العلاقات على أوروبا التي ساهمت بذبح الشعب الفلسطيني وسرقة أرضه حتى تتخلص من «المسألة اليهودية» التي هي في الأساس «مسألة» أوروبية بحتة وليست مسألة شرقية.
عموماً، فإن حرب الرواية تلك بدأت مبكراً. في محاضرة ألقيتها في الجامعة الأميركية حول « النكبة الثقافية» تحدثت عن الجذور الثقافية للنكبة وقلت، تم «تنكيب» فلسطين ثقافياً قبل أن تتم سرقتها عبر فعل النكبة المتعارف عليه تاريخياً وقد وقع في العام 1948. وبجمل أخرى، تم استلاب العقل الأوروبي واحتلاله وغرسه بكل الأفكار الكاذبة حول الحق التاريخي لليهود في فلسطين وحول الفلسطينيين وتصويرهم بصورة سلبية من أجل أن يتم تنفير الوعي الأوروبي منهم أو أن يقوم بمساندتهم. وحين بات الوعي الأوروبي جاهزاً لتقبل تلك الأفكار الكاذبة عن الحقوق الإلهية وعن التاريخ ولتقبل السردية المشوهة عن الفلسطينيين تم تنفيذ مخطط النكبة. وعليه فإن النكبة الثقافية التي يمكن استكشاف طبيعتها في تفاصيل رسومات المستشرقين للبلاد أو في أدب الرحلات للبلاد المقدسة أو في إدخال كلمة «فلسطين» بحرف الفاء في القاموسين الإنكليزي والألماني بمعنى «همجي وغير متعلم» وما إلى ذلك من شواهد ناقشتها في المحاضرة آنفة الذكر، هذه النكبة بدأت مبكراً ونجحت في ترويض العقل والوعي الأوروبيين لفعل النكبة الدموي القائم على الاقتلاع والإبادة والإحلال وما تلا ذلك من محاولة طمس معالم الرواية والوجود الفلسطينيين.
وبالنظر لما يجري من حرب إبادة فإن هيمنة السردية الصهيونية بخصوص غزة تلاشت مع الوقت ولكن كان ثمن ذلك قرابة مائة ألف شهيد ومفقود ومحو مدينة بكاملها وتنكيب غزة. كان الثمن باهظا. ومع ذلك، ظلت المنصات الكبرى تحارب المحتوى بكل ما تملك من حيل وخدع وباتت الخوارزميات سلاحاً تتم ملاحقة المحتوى الفلسطيني عبره. تم توظيف العلم حتى يتم تعزيز الإبادة حتى صار المرء لا يستطيع أن يكتب على صفحته أن والده استشهد لأن كلمة شهيد يتم اصطيادها من قبل الخوارزميات وتقييد تداولها. ومع كل الخدع البديلة والحيل التي يقوم النشطاء باستخدامها لتجنب الوقوع في فخ الشبكة إلا أن التقييد ظل مستمراً. فالناشط الصهيوني يستطيع أن يقول ما يشاء ويكتب ما يريد حتى لو هاجم العالم كله وجعله مجرماً مستخدماً سردية الضحية، فيما الفلسطيني لا يستطيع أن يضع صورة بيته الذي قصفته الطائرات الإسرائيلية ويقول كلمة رثاء بحق أطفاله.
من هنا، فإن أي جهد من أجل تجاوز حرب المحتوى تلك، هو جزء من معركة أخلاقية قبل أن يكون جزءاً من حرب وطنية لتعزيز المحتوى والسردية الفلسطينيين، إنها معركة إنسانية بامتياز لا بد من الاصطفاف فيها لصالح الحق وحرية التعبير عن الرأي والنشر وعدم الصمت أمام تقييد المحتوى والمنع. إن منصة «أب سكرولد» بما تمثله من محاولة وجدت صدى والتفافاً كبيرين تستحق المتابعة والمساندة لأن الحق لا يسود إن لم يجد من يناصره.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
