مركز:هل حقًا هناك مفاوضات بين إسرائيل وحماس حول اتفاق طويل الأمد؟

غزة / سوا / في الأسابيع الأخيرة كثرت التقارير حول وجود مفاوضات بين إسرائيل و حماس بشأن اتفاق تثبيت التهدئة طويل الأمد، ووفق التقارير فإن المفاوضات تدور من خلال العديد من الوسطاء، من أبرزهم الحكومة التركية و توني بلير مبعوث الرباعية السابق الى الشرق الأوسط، فما الذي تريده إسرائيل؟ وما الذي تريده حماس والأطراف الوسيطة مثل تركيا وبلير وغيرهم؟ وما هو دور الأطراف ذات الصلة مثل السلطة الفلسطينية ومصر؟ وما هي فرص نجاح تبلور مثل هذا الاتفاق؟ كل هذا يتناوله الباحث في مركز دراسات الأمن القومي شلومو بروم في مقال جديد.

حسب بعض التقارير فإن الطرفين يقتربان من الاتفاق على وقف إطلاق النار لمدة (10-15) سنة، وحول ما وصف "فك الحصار" عن قطاع غزة، والذي سيشمل إقامة ميناء في قبرص التركية، والذي ستنطلق منه الحاويات عبر البحر الى القطاع بعد التفتيش في قبرص.

وقال تقرير أصدره مركز أطلس للدراسات الاسرائيلية :"في الـ 16 من أغسطس، قال ياسين اقطاي، وهو مستشار كبير لرئيس الحكومة التركية أوغلو، ان "غزة تتقدم باتجاه اتفاق شامل بشأن رفع الحصار و فتح الحدود مقابل وقف النار"، وحسب قوله فإن هذا الأمر تمت مناقشته أثناء زيارة مشعل لتركيا، وكذلك نائب رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية مطلع على الاتصالات، مسؤولون في حماس، بمن فيهم هنية، كانوا مشاركين هم أيضًا في رفع سقف التوقعات بشأن تغيير دراماتيكي على وضع قطاع غزة نتيجة للاتفاق مع إسرائيل. السلطة الفلسطينية في رام الله من ناحيتها ردت مستغلة هذه التقارير في مهاجمة حماس بسبب إجراء مفاوضات انفرادية مع إسرائيل، واستعدادها للاتفاق الجزئي معها، والذي يعني تعزيز انفصال الساحة السياسية الفلسطينية والمساس بالمصالح الفلسطينية. الردود الرسمية في إسرائيل عكست الرغبة في خفض سقف التوقعات، رغم انها لم تنفِ استمرار إجراء الاتصالات بين إسرائيل وحماس.

عملية "الجرف الصامد" انتهت بوقف إطلاق نار في الـ 26 من أغسطس 2014 بعد أن وافقت كل من إسرائيل وحماس بوساطة مصرية على تفاهمات تبلورت استنادًا الى تفاهمات متفق عليها بعد انتهاء عملية "عامود السحاب"، حسب هذه التفاهمات تفتح المعابر بين إسرائيل وقطاع غزة لعبور الاحتياجات الإنسانية والمعدات اللازمة لإعادة إعمار القطاع، والسماح بالصيد البحري الحر لسكان غزة في القطاع لمسافة 6 اميال بحرية، وأن يسعى المصريون الى تجديد دفع رواتب موظفي الدولة في غزة الذين عينتهم حماس، وكذلك تم التوافق على إجراء مفاوضات في القاهرة حول تفاهمات أطول أمدًا يتم في إطارها مناقشة مواضيع أخرى، من بينها إقامة ميناء في غزة وتوسيع منطقة الصيد.

وفي العام المنصرم، من حينها فتحت إسرائيل الى حد كبير المعابر البرية الى القطاع، بل فتحت من جديد معبر ايرز "بيت حانون" لحركة مواطني قطاع غزة، حوالي 1500 منهم يمرون عبر المعبر يوميًا، وعلى هذا النحو يستخدم معبر ايرز كبديل عن معبر رفح الى سيناء الذي فرض عليه المصريون قيودًا صعبة، كذلك سمح الصيد في غزة بشكل عام على مسافة الـ 6 أميال بحرية رغم الاحتكاكات اليومية بين دوريات سلاح البحرية والصيادين الذين يخرقون المنطقة المتفق عليها، والتي تعاني من نقص الأسماك، كذلك سمحت إسرائيل لقوات حماس ان تتواجد في المنطقة العازلة القريبة من حدود قطاع غزة، والتي كانت فيها احتكاكات كثيرة بين الجانبين في الماضي، على أمل أن يمكّن ذلك حماس من منع عمليات تنظيمات أخرى تعمل في ساحة قطاع غزة.

من ناحية أخرى، مواصلة المفاوضات التي كان من المقرر ان تجري في القاهرة لم تتمخض هذه المفاوضات عن شيء، ولا وجود لأي علامات مهمة بأن الاسباب الأساسية التي منعت الجانبين من التوصل الى اتفاق طويل الأمد بوساطة مصر قد انتهت، هذه الاسباب في اساسها هي نظرة النظام المصري لحماس، وقلة التعاون من جانب السلطة الفلسطينية، ونفور الحكومة الإسرائيلية من توقيع اتفاق رسمي مع حماس ومن الأثمان المطلوبة في سبيل ذلك.

المصريون ينظرون الى حماس على انها امتداد خطير للإخوان المسلمين في مصر، النظام المصري يعتبر الحركة عدوًا مركزيًا ويقيم ضدها حرب مقاطعة، وعلى هذه الخلفية يسعى أيضًا الى أضعاف حماس قدر الاستطاعة، وهذه المرة الوسطاء للمفاوضات هم آخرون، لكن موقف المصريين ما يزال مهمًا بسبب قدرتهم على التأثير في مواقف كل من السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وكذلك ممارسة ضغوطات مؤلمة على حماس في القطاع.

قيادة السلطة الفلسطينية، والتي تعتبر هي أيضًا حماس عدوًا مركزيًا، معنية بإضعافها؛ ولذلك فهي ترفض تحويل الرواتب الى غزة، ومن المتوقع ان تحاول بأي طريقة إفشال الاتفاق الذي سيمنح سلطة حماس الشرعية ويقويها، كذلك تخشى السلطة ان اتفاقًا كهذا سيزبد الانفصال بين قطاع غزة والضفة الغربية.

حكومة إسرائيل تنفر من الاتفاقات الرسمية الموقعة مع حماس، والتي تمنحها الشرعية وتسهل على اللاعبين الدوليين إجراء اتصالات معها، بينما كفت إسرائيل عن نفي حقيقة وجود حوار حثيث مع حماس، وعلى المستوى السياسي أيضًا من خلال وسطاء، ذلك ان هذا النفي لا يمكن اعتماده لفترة طويلة؛ غير ان إسرائيل معنية بتقييد هذا الحوار وحصره في الأمور المتعلقة بالإدارة المشتركة للحياة في القطاع والمحافظة على الهدوء الأمني، وذلك من خلال تفاهمات غير موقعة. إسرائيل كان ينبغي أن تخشى أيضًا ان يضعف الاتفاق بينها وبين حماس شريكها في العملية السلمية (قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية)، ولكن من غير الواضح إذا كان هذا بناءً على توجه الائتلاف اليميني الضيق الذي يشكل حكومة إسرائيل الحالية، ويبدو إذًا والأمر كذلك بأن المنشورات المتفائلة حول اتفاق قريب بين إسرائيل وحماس نابعة عن مصالح بعض اللاعبين في محيط الاتصالات بين الطرفين.

الحكومة التركية معنية بهذه المنشورات بهدف تعزيز هيبتها كعنصر ذات نفوذ يحتاجه لاعبون في المنطقة كوسيط (في ظل فرصة كهذه تستطيع تركيا ان تخدم مصالح أخرى لها مثل تعزيز موقف التواجد التركي في قبرص)، وإلى ذلك، حتى وإن كان هناك شكوك كثيرة في كون إسرائيل معنية بتعزيز هيبة الحكومة التركية الحالية، ودفع ثمن باهظ في سبيل ذلك، وهو المساس بالعلاقات المزهرة بين إسرائيل وقبرص واليونان، من جانب أنقرة، وسيما في ضوء التراجع الكبير في هيبتها ونفوذها الإقليمي إثر التقلبات الإقليمية، فإن كل إسهام، ولو كان صغيرًا، لمكانتها يعتبر مهمًا.

حركة حماس نفسها في وضع صعب بسبب عدم قدرتها على جلب التحسن الحقيقي لسكان قطاع غزة وتسريع عملية إعمار الأضرار التي وقعت في المنطقة خلال عملية "الجرف الصامد"؛ لهذه الأسباب فإن لها مصلحة حقيقية في اتفاق أكثر استقرارًا مع إسرائيل يسمح بدفع هذه الأهداف، وأكثر من ذلك، ففي عدم وجود مثل هذا الاتفاق، وفي حين عدم وجود أمل كبير في التوصل اليه؛ فإن اشخاصًا كثيرين من قيادة حماس يعتقدون أن أحد السبل لمواجهة هذا الوضع هو بث الأمل في أوساط الجمهور الغزي بالتحسن القريب لوضعهم.

الوسطاء الأوروبيون أيضًا، مثل بلير، معنيون بتلك المنشورات، بسبب الدور الذين يقومون به، رغم ان محاولاتهم لإقناع حماس بأنهم يقومون بتمثيل بعثة للاتحاد الأوروبي، غير انهم لا يحظون بالكثير من الثقة، لا توجد أي اشارات على ان المقصود عملية تعدي جهود أشخاص بعينهم ودول لا تعتبر لاعبات مركزيات في الاتحاد الأوروبي.

قيادة السلطة الفلسطينية معنية بنفخ هذه المنشورات المتعلقة بالمفاوضات بين إسرائيل وحماس، ذلك انها توفر لها أرضية مريحة لمهاجمة حماس؛ السلطة الفلسطينية تسعى الى تقويض مكانة حماس في أوساط الجمهور الفلسطيني، وسحب المكانة البطولية من الحركة "المقاومة الفلسطينية"، والتي بالفعل تجري قيادتها مفاوضات مع إسرائيل بهدف الحصول على الفتات عن موائدها، وأنها ما تزال تحافظ بدقة على وقف إطلاق النار معها.

وإجمالًا، فهناك مصلحة إسرائيلية حقيقية بتثبيت وقف إطلاق النار مع حماس، الوضع في قطاع غزة هو بمثابة قنبلة موقوتة مصيرها ان تنفجر عاجلًا أو آجلًا؛ ولذلك فإن من المهم لإسرائيل أن تعمل على تحسين هذا الوضع، ولكن هناك شكوكًا كبيرة بأن تكون حكومة إسرائيل الحالية قادرة على تغيير فهمها الأساسي حول حماس القائم على أساس إدارة الصراع وليس محاولة الاقتراب من تسويته؛ لذلك فليس هناك استعداد للتوصل الى اتفاق طويل الأمد (أو ما يصفه الفلسطينيون بـ "الهدنة") مع حماس ودفع ثمنها، محاولة تعميق التفاهمات مع حماس على ما يبدو ستستمر، ولكن فرصة نجاحها ليست واضحة.

يجب التذكر ان رفع سقف توقعات تحسن دراماتيكي في أوضاع قطاع غزة هي الأخرى خطيرة؛ ذلك ان خيبة الأمل من شأنها أن تفاقم الأزمة في المنطقة، ومضاعفة فرص امتداد نتائجها ومظاهرها الى إسرائيل أيضًا.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد