شارعٌ يمشي بنا… ولا نمشي به
أكتبُ مرةً أخرى عن شوارع غزة وأماكنها، كما رأيتها بعد سبعةٍ وعشرين شهراً من الإبادة، لا لأستعيد المشهد فحسب، بل لأمنح من غاب عنه فرصة أن يلمس وحشيته. هنا، حيث كانت الشوارع تضجّ بالحياة، ويقيم الفرح عاداته اليومية، صار الركام لغة المكان الوحيدة. تغيّرت الوجوه، وانكسرت الأزمنة، وباتت الخطوات تتعثر بذاكرةٍ مثقلةٍ بما كان. في غزة، كنّا نتذوّق الرائحة قبل أن نشمّها؛ رائحة الخبز، والقهوة، والبحر، وجمال زينة الشوارع، واليوم نتجرّع غبار الفقد في كل زاوية، ونمشي في أماكن تعرف أسماءنا أكثر مما نعرف أسماءها.
لم يعد شارع عمر المختار في حي الرمال طريقاً بهيجاً ملوناً كالسابق، صار ذاكرةً ممدودة، نمشي فيها أكثر مما نمشي فوقه، من دوّار السرايا حتى المجلس التشريعي، كان الشارع ي فتح صدره قديماً كمدينةٍ واثقةٍ من جمالها وسحر لذتها. واليوم يفتحه كجرحٍ لم يجد وقتاً ليلتئم، عاد الناس، نعم…
لكنهم عادوا كما يعود المنكسرون إلى بيوتهم المحترقة: بأقدامٍ تعرف الطريق، وقلوبٍ لا تعرف الطمأنينة، الهواء هنا ليس هواءً، إنه مزيجٌ من غبار الإسفلت المهروس، وملح الدموع، وبقايا رائحة فلافل تحاول عبثاً أن تغلّف الحزن بشيءٍ من الشهية، الرائحة تدخل الأنف ثم تستقر في الصدر، تُذكّرنا أن الحياة ما زالت تُقاوم، لكنها مقاومة متعبة، تشبه تنفّس مريضٍ بلا أوكسجين.
الناس يمشون، لا يضحكون، عيونهم زجاجٌ مملّح، وجوههم خرائط خسارة. كل وجهٍ هنا يحمل مدينةً غائبة: بيت حانون في التجاعيد، جباليا في انكسار النظرة، الشجاعية في الصمت الثقيل.
عاد شارع عمر المختار في حي الرمال إلى الحركة، لا إلى الحياة. بدا كجسدٍ ينهض من تحت الركام لأنه أُجبر على النهوض، لا لأنه شُفي. امتدّ الشارع بطوله المعتاد رغم خرابه، لكن روحه كانت أقصر من ذي قبل، مثقلة بما حملته الشهور الماضية من خرابٍ وفقدٍ ونزوح.
في الصباح، يبدأ الناس بالمرور، خطواتهم حذرة موجوعة، كأنهم يمشون فوق ذاكرة هشة. لا ضحكات تُسمع، ولا استعجال. الوجوه شاحبة، والعيون متعبة، وكأن كلّ عابر يحمل داخله مكاناً آخر مدمّراً جاء منه، ولم يستطع تركه خلفه. الهواء مشبع بالغبار، وبشيءٍ مالح لا يُرى، لكنه يُحَسّ في الحلق، مزيج من دموعٍ قديمة وبحرٍ قريب يعرف الحكاية.
كان شارع الرمال "شانزليزيه غزة"، يوماً، واجهة غزة الأجمل والأكثر بهجة وصخباً. فيه المقاهي، والمتاجر، والزينة الملونة والروائح المتراقصة، والأرصفة التي كانت تتّسع للمشاة وذكرياتهم. كان السير فيه طقساً يومياً للاطمئنان إلى أن المدينة بخير ومازالت عفيّة. اليوم، تغيّرت الصورة. المباني التي لازالت واقفة على جانبي الشارع لم تعد تشبه نفسها، واجهاتها مشوّهة، نوافذها فارغة، وبعضها يميل كأنه ينتظر دفعة أخيرة ليسقط، بيوت آيلة للسقوط، لكنها ما زالت واقفة، تؤدي دور الشاهد الصامت على ما جرى.
عند الوصول إلى حديقة الجندي المجهول، يتوقف السرد قليلًا، المكان الذي كان مساحة خضراء للراحة والتنزه صار مخيماً للنزوح، الأرض مجرّفة، الأشجار مبتورة، والخيام منتشرة في كل زاوية. العائلات التي نزحت من بيت حانون، وبيت لاهيا، وجباليا، والتفاح، والشجاعية، وجدت نفسها هنا، في قلب المدينة، بلا خصوصية ولا أفق. التمثال الذي حمل اسم الجندي المجهول اختفى أثره، والمبنى الذي كان يطلّ على الحديقة لم يعد موجوداً. بقي المكان بلا مَعلَم، سوى الخيام وأصوات الأطفال.
الأرصفة التي كانت تنظّم حركة الناس لم تعد موجودة، الأكشاك والبسطات امتدّت على ما تبقى منها، ليس بدافع الفوضى، بل بدافع الحاجة. الشارع صار أضيق، والمشي فيه صار أصعب، خاصة في أيام الشتاء حين تختلط الحفر بمياه الصرف الصحي والطين. المارّة يمشون في منتصف الطريق، يتفادون السيارات القليلة، ويتجاوزون الخيام، وكأن المدينة أعادت ترتيب أولوياتها قسراً.
ورغم كل ذلك، فُتحت بعض المحال. رائحة الفلافل والحلوى تنتشر في المكان، وتحديداً قرب محال قديمة يعرفها الغزيون بأسمائها، يتجمع الناس أمامها، يشترون، ينتظرون، يتبادلون نظرات صامتة. شراء قطعة فلافل أو حلوى لم يعد فعلاً استهلاكياً، بل محاولة قصيرة لاستعادة إحساس طبيعي مفقود. لحظة يقول فيها المرء لنفسه إنه ما زال قادراً على الوقوف في طوابير لا تنتهي.
غير أن هذا المشهد لا يدل على تعافي المدينة. الحركة لا تعني الشفاء، وفتح المحال لا يعني عودة الحياة. ما يحدث هو قدرة الناس على ممارسة الحد الأدنى من الوجود في ظروف قاسية. الشارع ينبض، لكنه نبض متعب، غير منتظم، يُذكّر أكثر مما يطمئن.
شارع عمر المختار في حي الرمال اليوم ليس رمزاً للعودة، بل شاهداً على ما بقي؛ بقايا حياة، وبقايا ذاكرة، وبقايا مدينة تحاول ألا تختفي. إنه شارع يسير فيه الناس لأنهم لا يملكون خياراً آخر، ولأن الاستسلام ليس متاحاً، تماماً كما لم يعد الموت قراراً سهلاً.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
