تذرع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو كثيراً بجثمان الأسير الإسرائيلي الأخير كشرط للانتقال للمرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي أعلن عن دخول هذه المرحلة بتسمية اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة وقسم من عضوية مجلس السلام. ولم ت فتح إسرائيل معبر رفح بالاتجاهين كما وافقت على ذلك خلال الاتصال مع الإدارة الأميركية بانتظار تسليم آخر الجثث الإسرائيلية المتواجدة في غزة. وقد حصل ذلك أول من أمس وأضحت الحكومة الإسرائيلية في حرج بعدما لم يعد أمامها من ذرائع لتتذرع بها لمنع فتح المعبر لدخول اللجنة الوطنية من مصر والسماح بخروج ودخول المواطنين من غزة وإليها. ورغم وجود معارضة داخل الحكومة الإسرائيلية وخاصة من جانب وزراء الصهيونية الدينية وعلى رأسهم إيتمار بن غفير، إلا أن غالبية الوزراء يقفون مع نتنياهو في التزاماته تجاه الإدارة الأميركية، ولا يوجد احتمال لمنع فتح المعبر، ومنع إدخال المساعدات والبدء بعمل اللجنة الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة والتمهيد لإعادة الإعمار.
ولا يزال نتنياهو يتحدث عن شرط أساسي لإسرائيل وهو نزع سلاح حركة « حماس » كشرط لإعادة الإعمار والانسحاب من قطاع غزة لخطوط جديدة خارج الخط الأصفر. وشرط تسليم سلاح «حماس» هو أيضاً شرط أميركي أكد عليه الرئيس ترامب مراراً وتكراراً مع تحديد سقف زمني قصير لبدء قيام «حماس» بذلك لا يتجاوز ثلاثة أسابيع. أول من أمس أشاد ترامب بحركة «حماس» وجهودها في الإفراج عن آخر الجثامين، ولكنه في نفس الوقت أكد على ضرورة نزع سلاحها. وهذا موضوع حيوي لكل اللاعبين الإقليميين والدوليين. فهو شرط لدخول «قوات الاستقرار الدولية»، وشرط لكل الأطراف العربية والدولية لتمويل إعادة بناء غزة.
في الحقيقة نتنياهو لا يريد أن توافق حركة «حماس» على تسليم سلاحها، فهذا مبرر جيد لبقاء الاحتلال وعدم الانسحاب واستمرار عمليات القصف والقتل والاجتياحات في غزة. والأهم منع إعادة الإعمار وتهجير أكبر عدد من الفلسطينيين خارج القطاع. وهذا يتعارض مع الموقف الأميركي الذي يرى في إعادة إعمار غزة مشروعاً استثمارياً ضخماً قد يعود بفائدة اقتصادية كبرى على الشركات الأميركية في قطاعات العقارات والسياحة والغاز، وربما البترول وأعمال أخرى قد تنشأ حسب خطة جاريد كوشنر التي عرضها في منتدى لاغوس الاقتصادي. نتنياهو من ناحيته يعلم أن هناك صفقة كبرى هي إيران مقابل غزة.
الولايات المتحدة تطالب السلطات الإيرانية بتنفيذ شروط هي نفس الشروط الإسرائيلية: وقف تخصيب اليورانيوم، ووضع البرنامج النووي تحت رقابة دولية، والتخلص من اليورانيوم المخصب لدرجة تفوق 4 ويمكن أن يصار لاستخدامها في برامج عسكرية. ووقف تطوير الصواريخ البالستية، ووقف دعم أذرعها الإقليمية وتهديد الاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط والعالم. باختصار، وضع إيران تحت ما يشبه الوصاية الدولية. وفي المقابل تتخلى إسرائيل عن مشروعها في غزة وتسمح بتطبيق الخطة الأميركية كاملة، خاصة بعد أن أخذت أبعاداً دولية بعد اعتمادها في مجلس الأمن في القرار 2803، في شهر تشرين الثاني الماضي.
نتنياهو ليس راضياً عن المطالب الأميركية تجاه إيران، ويريد ما هو أبعد من تحجيم إيران عسكرياً ومنع امتدادها إقليمياً بالذهاب إلى إسقاط النظام الديني الذي يقوده آية الله على خامنئي والحوزة الدينية. وهذا يبدو أبعد من التفكير الأميركي الذي يركز على الشروط أعلاه. وتحاول الولايات المتحدة الضغط على إيران من خلال حشد قوات عسكرية كبيرة في المحيط وفي الخليج، وقد تذهب لحصار بحري لمنع تصدير النفط الإيراني على غرار ما حصل مع فنزويلا. ولكن الرغبة الأميركية الحقيقية هي الحصول على تنازل إيراني بدون اللجوء لاستخدام القوة. والسبب في ذلك هو رغبة الدول العربية الحليفة لأميركا التي ستقع تحت مرمى النيران الإيرانية بعدما هددت إيران بقصف كل القواعد الأميركية في المنطقة. وهذه الدول أبلغت واشنطن برغبتها بحل النزاع بطرق سلمية عن طريق المفاوضات والدبلوماسية، وهذا ما يحاول المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف فعله هذه الأيام. وهذا ما يغضب إسرائيل التي يبدو أنها تريد حرباً شاملة ضد إيران لإسقاط النظام هناك وربما تدمير هذا البلد بصورة تامة.
إذاً نحن مرة أخرى نعود لحركة «حماس» ولدورها. فكما كان هذا الدور تدميرياً تجاه قطاع غزة والقضية الفلسطينية وحتى تجاه محور إيران في المنطقة أو ما يسمى «محور المقاومة»، يبدو أنه بات محورياً تجاه مستقبل قطاع غزة من حيث إمكانية عمل اللجنة الوطنية وتسليم السلطة مدنياً وعسكرياً، بما يضمن الانسحاب الإسرائيلي وإعادة إعمار غزة وفتح الطريق أمام عملية سياسية أم أنها ستذهب باتجاه تحقيق ما يصبو إليه نتنياهو وإفشال الخطة الأميركية والذهاب نحو معادلات إقليمية كارثية. فهل تستوعب «حماس» الدرس أم ستكابر وستضطر في النهاية للخضوع للأعداء بطريقة سيئة وربما مهينة. ولا تحقق للحركة ولا للشعب الفلسطيني سوى المزيد من الخسائر؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
