الحقيقة أن رئيس أميركا دونالد ترامب لم يفعل شيئاً حتى الآن سوى أنه فشل في كل ما هدّد به، وفي كل ما تبجّح وتنافخ به أمام وسائل الإعلام، وفي كل ما أقدم عليه في «السلم» وفي «الحرب»، أيضاً. لقد تراجع بشكل لافت عن سياساته الهجومية التي وعد بأنه لن يتراجع عنها.
من كندا، ومروراً بالمكسيك، وصولاً إلى جزيرة غرينلاند، و فتح على نفسه بدعة الرسوم الجمركية بالبوّابات المُشرَعة ليخرج منها عَبر نافذة صغيرة، هي أقرب إلى الهروب لمن حاول السرقة فتفاجأ بسرعة رجوع صاحب المنزل.
ووعد بتحويل الاقتصاد الأميركي إلى اقتصاد عظيم لتعود أميركا عظيمة، في حين أن هذه المسألة بالذات هي عنوان فشله الأكبر حتى الآن، وأغلب الظنّ أن هذا الاقتصاد حتى نهاية ربيع العام الجاري، وليس أبعد من ذلك سيدخل في أزمة ليس لديه حتى هذه الساعة أي أدوات، أو سياسات يمكن المراهنة عليها للحدّ من آثارها المدمّرة، ليس على الاقتصاد الأميركي فقط، وإنما ــ وهذا هو المتوقّع ــ على الاقتصاد العالمي كلّه.
وهو «يُلاطِش» هنا وهناك، ويهدّد هذا وذاك في محاولةٍ باتت أكثر من يائسة لإخافة من يعتقد أن بمقدوره إخافتهم.
وعندما يهدّد بلدان أميركا اللاتينية، ويهدّد إيران، بل ويعود للحديث عن غرينلاند، وربما يعود غداً أو بعد غدٍ للحديث عن كندا والمكسيك، وربما بعض البلدان الأوروبية نفسها، فهو في الحقيقة يفعل كل ذلك، ويقوم ويهدّد بكل ذلك من موقع الفشل، ومن موقع اليأس، ومن موقع الاختناق.
ولو أخذنا مثالاً حسّياً على كل ذلك كالتهديد الذي لا يتوقّف ضد إيران، تبدو تهديداته خارج كل منطق ــ مع معرفتنا بذلك عموماً ــ وخارج كل منطقه هو، وليس غيره.
فعندما أوقف الحرب على إيران، وأرجع الطائرات الحربية الإسرائيلية من الجو، قال إنه فعل ذلك لسببين: الأول، أن استمرار نتنياهو في تلك الحرب كان سيؤدّي إلى تدمير كيانه؟! والثاني، أنه لا طائل من وراء استمرار الحرب، لأن البرنامج النووي الإيراني قد تمّ تدميره، والبرنامج الصاروخي إلى حد كبير.
ما معنى أنه سيعود للحرب على إيران الآن؟
فإمّا أن إيران، والتي كان لها الضربة الصاروخية الأخيرة في تلك الحرب فعلاً كان ستلحق بدولة الاحتلال هزيمة كبيرة، وهذا يعني أن صواريخها كانت في أوج قوّتها، وفي وضع متفوّق، وهذا يعني أن ادعاءاته بتدمير برنامجها وقوتها الصاروخية ليس لها أي أساس من الصحّة، وإما أن استمرار تلك الحرب سيؤدّي إلى توريط أميركا آنذاك في حرب ليست مستعدّة لها، وكانت ستدفع ثمناً ليست جاهزة لدفعه لا عسكرياً، ولا مادياً، ولا حتى سياسياً. ونفس الشيء ينطبق على البرنامج النووي.
إذاً لماذا العودة إلى الحرب على إيران؟
هل حالة الاقتصاد الأميركي أفضل الآن عمّا كان عليه في حينه؟
هل جاهزية إيران للحرب الآن أقلّ ممّا كانت عليه سابقاً؟
ألا تقول دولة الاحتلال حسب التقرير الاستخباري الذي سلّمه نتنياهو لترامب في فلوريدا مؤخّراً إن إيران أعادت بناء منظومات الدفاع الجوّي، وإنها تبني منظومات جديدة لصناعة الصواريخ بوتيرة كبيرة، وإن برنامجها النووي أُعيد ترميمه، وعاد ليشكّل نفس «الخطر» السابق؟
أمور الحرب على إيران باتت متعاكسة مع كل منطق، ومتعاكسة أكثر مع كل منطق وادعاءات ترامب، ومتعاكسة بصورة مفضوحة تماماً مع منطق نتنياهو الذي أعلن عن «انتصار» ساحق فيها آنذاك.
تعالوا نُعدْ ترتيب هذه المعادلات الصارخة في تناقضها مع أي منطق، والفارقة في عوالم غامضة بحيث لا نكاد نعرف عن خطوط التماس بين ما هو خيالي، وما هو واقعي، وبين ما هو تمنيّات، وما هو طموحات، وبين ما هو مؤشّرات فشل أو مقدّمات لنجاحات، أو رهانات وارتهانات.
إعادة ترتيب المعادلات هنا لا تتصل مباشرة بالحرب التي يهدّد بها كل من ترامب ونتنياهو، وإنما بالقرصنة العسكرية التي شنّتها أميركا على فنزويلا، والعلاقة التي تربط بين نجاحها أو فشلها هناك، وبين اندلاع حرب في الإقليم تتركّز على إيران.
على أهمية الجانب الفنّي والتقني والأمني المتفوّق الذي حقّق لترامب الإبهار الذي سعى إليه، فإن معيار نجاح هذه العملية هو معيار واحد ووحيد: هل سترضخ حكومة كاراكاس لحد ولو أدنى من الشروط والأهداف الأميركية من هذه القرصنة؟ أم أن ترامب سيجد نفسه مضطراً لاستخدام قوات الغزو على الأرض الفنزويلية، وحينها سيدخل في عوالم جديدة من الورطات التي ستطيح بكل أهداف العدوان، وربما ستورّطه في حرب طويلة لا طاقة له عليها؟
في حالة النجاح فترامب لن يحتاج إلى أحد، ولا حتى للكونغرس، وهو سيدّعي أن طريقته وأسلوبه في معالجة الأزمة الأميركية هي الأنجع، وهو سيقوّي من أوراقه الداخلية في إطار المؤسسات الرسمية الأميركية، وسيحشد إلى جانبه المزيد من دعم القاعدة الشعبية التي بدأ يفقدها في الآونة الأخيرة، وسيكون مؤقّتاً في وضع أفضل للتعامل مع بعض الاستحقاقات المالية والاقتصادية العاجلة، وسيكون في وضع تفاوضي أفضل، وبما لا يُقاس مع كل من روسيا والصين، ومع باقي مكوّنات النظام الدولي، من الخصوم والأعداء، ومن الحلفاء والأصدقاء، بالرغم من أنّ تحديد هذه الدوائر لم يعد سهلاً، وبالرغم من أن هذه الدوائر تعيش مرحلة السيولة التي لم يسبق وأن مرّت على التاريخ المعاصر.
إذا فشل ترامب، وورّط بلده في أتون حرب استنزاف، في فنزويلا، وربما في بلدان لاتينية أخرى، فإن أكبر خساراته الداخلية ستكون الصدام غير المسبوق مع كونغرس لن يعود له فيه الأغلبية، وستلحق هذا الصدام صدامات جديدة مع قاعدته الشعبية في حزبه «الجمهوري»، وسيخسر إلى حد كبير تماسك دائرته المحيطة واللصيقة والمناصرة له من حركة «ماغا»، ناهيكم عن باقي مكوّنات ما تبقّى من مؤسسات «الدولة العميقة».
هنا الشيء الأرجح الذي سيكون على جدول الأعمال الأميركي ليس مجرّد الفشل أو النجاح، لأن معيار ذلك سيكون قد تحدّد بالفعل، وسيكون ترامب أمام موجات احتجاج عارمة، وسيكون عنوان الصراع «خطر التورّط» الأميركي، وهو الأمر الذي سيقلّص مقدار الدعم الشعبي للورطة، هذا بالإضافة إلى انعكاس كل ذلك على مكانة بلاده، وعلى وضعها الاقتصادي، وعلى هزالة موقعها على كل المستويات السياسية والتفاوضية، ليس فقط مع كل من الصين وروسيا، وإنما مع أقرب «الحلفاء»، أيضاً.
أمّا إذا نجح، ورضخت القيادة الحالية في فنزويلا فإن شهيّة الحرب، وربّما بنفس الطريقة أو الأقرب إليها ستفتح لديه من جديد، وسيكون على العالم كلّه انتظار كوارث جديدة، واستفزازات أكبر، وسيكون إقليم الشرق الأوسط مرشّحاً كبيراً لبطشه وحروبه المجنونة.
وفي هذه الحالة سيغامر ترامب، لأن مغامراته ستساعده في فرض المزيد من السطوة والهيمنة كما يعتقد، وربّما يؤمن بذلك إيماناً راسخاً إذا تبيّن أن حكومة كاراكاس موجودة في منطقة «مُراوغة» انتقالية، وتعمل لكي تمرّ هذه المرحلة الحسّاسة بسلاسة نسبية لكي تعيد الدولة تنظيم نفسها، فإن ترامب يكون قد دخل في النفق، سواء أدرك ذلك أم لم يُدرك.
وإذا رضخت الحكومة الفنزويلية، وكان لديها من الأسباب الخفيّة لهذا الرضوخ، سواء تعلّق الأمر بـ»العمالة» لأجهزة الاستخبارات الأميركية، أو الفساد والرشوات المهولة، أو بسبب تقديراتها أن مواجهة الولايات المتحدة ليست في متناول اليدّ، أو بسبب عدم وجود ظهير دولي قادر على تقديم دعم حقيقي وفعّال، فإن مصير هذه الحكومة هو السقوط المحتوم، وهنا سيكون على ترامب أن ينتشي لعدّة شهور فقط، وبعدها سيعود إلى نفس زاوية الاختناق التي لا أرى غيرها على الإطلاق.
كل شيء سيعتمد، على ما تبدو عليه الأمور، على موقف الحكومة، وعلى تماسكها، وعلى درجة مقاومتها للضغوط، وعلى قدرتها على الصمود في مواجهة ترامب من جهة، وفي مواجهة حركة الشارع الفنزويلي إذا قرّرت الرضوخ.
أمّا إذا كان الوضع هو وضع «الانحناء» لكي تمرّ العاصفة فإنّ الشعب الفنزويلي سيعرف كيف يخوض معركة «الانحناء»، وهو قادر على تجاوزها.
إذا نشبت الحرب ضد إيران فهي لن تكون سوى نسخة، أكبر أو أقلّ قليلاً من القرصنة على الأرض الفنزويلية، عمليات استخبارية «محكمة»، اغتيالات، قصف خاطف لمواقع حسّاسة بأكبر قدرة تدميرية ممكنة «علّها» تحدث الخلل المطلوب في بنية النظام الإيراني، وعلّ أن يؤدّي هذا الخلل إلى تعزيز المظاهرات التي تطالب بإسقاطه، ويكون لدى ترامب عناوين «ديمقراطية» للحرب على إيران، ويكون لدولة الاحتلال الدور الفاعل في إعادة ترتيب أوراق الإقليم بأوضاع جديدة كلّياً.
الحقيقة أن الذهاب إلى الحرب على إيران مهما تأثّر بنتائج العدوان على فنزويلا فهي ستظلّ قائمة في ترتيبات الإقليم لأن دولة الاحتلال لن يفيدها بشيء كل الترتيبات إذا لم يتمّ خلق وقائع جديدة فيه.
من وجهة النظر الأميركية فإن أزمة الطاقة ستكون كارثية على أميركا إذا تم تعطيل أو تدمير سلاسل التزويد في أي مواجهة إقليمية قادمة.
وتقول بعض الأرقام إن الأخيرة لا تملك احتياطات نفطية لأكثر من عقد واحد، وإنها إذا لم تسيطر على نفط فنزويلا ستكون في أزمة إستراتيجية خانقة، وإنها لن تتمكن من الضغط على الصين، ولا حتى الهند من دون مثل هذه السيطرة، لا سيّما وأن كلا البلدين يحتاج للنفط بصورة ملحّة وباستمرار.
بل وربّما أن روسيا في حالة إن خسر ترامب «معركة» الاستيلاء على مصادر الطاقة، وكذلك المعادن النادرة، والنفط والغاز فإنها ستكون «الملك» المتوجّ على عرش الطاقة العالمية.
أمام هذا كلّه فإن «الترامبية» كلّها أصبحت على محكّ الصراع الداخلي الأميركي، وعلى محكّ الأوضاع في عدّة أقاليم من العالم، وعلى محكّ التنافس الشرس مع كلّ من روسيا والصين.
وبعد أن أذعنت الحكومة السورية الانتقالية بقيادة أحمد الشرع للشروط الصهيوأميركية، وقبلت تركيا بمقايضة دورها الإقليمي بمكاسب صغيرة تكون الأرضية تتمهّد شيئاً فشيئاً لعدوان أميركي جديد لتحطيم جماعة «أنصار الله» «الحوثيين» اليمنية، وقصقصة أجنحة العربية السعودية، بالمخالب الإماراتية، علّها تخرج من أزمة انحسار الدور العالمي، وأزمة الرجوع عن كامل العهد الإمبراطوري نحو مجرّد قطب واحد، مهما كان قوياً من بين عدّة أقطاب أخرى. في القادم سنُعالج ما أمكننا خطط ترامب لتدمير الخليج، وحصار السعودية، وشلّ الدور المصري وإغراق الإقليم بحروب جديدة.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
