بعد أن كانت زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى واشنطن مقررة بعد العشرين من الجاري، سارع بنيامين نتنياهو إلى تقريب موعد لقائه السابع مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال ثلاثة عشر شهرا فقط، ليكون يوم غد، وذلك ارتباطا بأمرين، أولهما ما نجم عن اللقاء التفاوضي الأول بين مندوبي ترامب ووزير خارجية ايران في مسقط، يوم الجمعة الماضي، والثاني استباقا لاجتماع مجلس السلام يوم التاسع عشر من الجاري، وهذه المرة يبدو أن تقريب الموعد، على الأقل، جاء بمبادرة من نتنياهو، وليس كما كان حال اللقاء السابق الذي كان عشية رأس السنة الميلادية، وكان أشبه باستدعاء من قبل ترامب لرئيس الحكومة الإسرائيلية، لإجباره على قبول الانتقال بخطة ترامب في غزة لمرحلتها الثانية.
ويبدو أن ترامب وجد نفسه مضطرا لإجراء لقاءات عديدة متتالية مع نتنياهو، وهذا يعود بالطبع، إلى عدم التوافق التام في التفاصيل بين الرجلين فيما يخص ملفات الشرق الأوسط، كما انه ناجم عن التدخل الزائد عما كان مألوفا من قبل واشنطن، التي كانت تترك تفاصيل هذا الإقليم لإسرائيل، وحتى في حالة حروب إسرائيل مع الدول العربية لم تتدخل أميركا إلا بتغطية إسرائيل سياسيا، وحدث هذا في العام 1970 حين قدمت واشنطن بعد الحرب مبادرة روجرز وزير خارجيتها في ذلك الوقت، لتمكين إسرائيل من قطف ثمار انتصارها في حرب 1967، بتطبيق معادلة الأرض مقابل السلام، وحين أقامت جسرا جويا لمد إسرائيل بالسلاح في حرب 1973 لإنقاذها من الهزيمة الماحقة، ولم يسبق لأميركا أن حاربت مع إسرائيل إلا في العام الماضي حين قصفت ايران في حزيران، أو بديلا عنها كما حدث في الحرب على العراق خلال عامي 1991، 2003.
ويبدو أن ترامب يتحرك تحت وطأة ضغط الوقت، بدليل انه ما إن دخل البيت الأبيض حتى سارع إلى فتح النار في كل الاتجاهات، في محاولة لإنقاذ مكانة أميركا كدولة وحيدة تسيطر على النظام العالمي، لذلك هو يتخبط إلى حد ما، ويتحرك بكثير من النزق، ولا يكف عن استخدام لغة التهديد، دون أن يترجم تهديداته إلى فعل، وهذا لا يعني أنه لا يتورع عن ارتكاب العمل العدواني، ولكن يعني أنه حين يجد العملية العسكرية ناجحة وخاطفة وغير مكلفة، لا يتردد، ويسارع إلى تنفيذها حتى دونما تهديد، وقد فعل هذا مع فنزويلا، وحتى مع ايران، العام الماضي، أما هذه المرة، فهو هدد ايران بالقول كثيرا، لكنه تردد عن شن الحرب، رغم انه كان قد اتفق مع نتنياهو حين التقاه عشية رأس السنة الميلادية، على التدخل في ايران عسكريا من بوابة حماية المتظاهرين، وهذه كانت الصفقة التي أجبرت نتنياهو على قبول الانتقال للمرحلة الثانية في غزة، وإن بتلكؤ.
ويبدو أن ترامب يتعرض لضغوط داخلية متعارضة، أي بالاتجاهين، وليس فقط من نتنياهو وحسب، فالإدارة الأميركية منقسمة بشأن قرار الحرب على ايران، وهناك احتجاجات ومشاكل داخلية، كذلك هناك استحقاق الانتخابات النصفية، لذلك يبدو انه مضطر لأن يواجه نتنياهو بالحيلة والمراوغة، وهو اجبن من أن يعامل نتنياهو كما عامل فلوديمير زيلينسكي على سبيل المثال، خاصة في موضوعي غزة وسورية، كما أن معارضة قرار الحرب على ايران داخل الولايات المتحدة واضحة، وحتى في الكونغرس، بل إن قرار الحرب يتعارض مع الاستراتيجية الدفاعية المعلنة قبل اقل من شهرين، ومفادها أن توكل أميركا للأقاليم الدفاع عن نفسها، لتتفرغ هي لنصف الكرة الغربي، وذلك في محاولة للحفاظ على نظامها العالمي، أو على الأقل الحفاظ على مكانتها كقوة عظمى دوليا، والحرب على ايران بدلا من إسرائيل تتعارض تماما مع هذه الاستراتيجية.
بالطبع هناك أسباب عديدة منعت ترامب حتى هذه اللحظة، بالرغم من حشد حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، وست مدمرات بحرية في الشرق الأوسط، وتكلفة هذا الحشد تقدر بمئة مليون دولار يوميا، من شن الحرب حتى الخاطفة منها على ايران، ومن هذه الأسباب الضغط المعاكس الذي قامت به الدول العربية والإسلامية، ومن هذا الضغط ما لم يكن مجرد إعلان موقف، بل إن إعلان الدول التي تتواجد فيها القواعد الأميركية رسميا بأن أراضيها لن تكون محطات انطلاق عمليات عسكرية ضد ايران، والأهم هو أهداف هذه الحرب واحتمالات تحقيق تلك الأهداف، فعلى عكس المرة السابقة، التي كان الهدف فيها يقتصر على ضرب مواقع تخصيب اليورانيوم، خاصة في فوردو المحصنة، والتي لم تكن لدى إسرائيل القدرة على اختراقها، إسرائيل تريد تدمير الصواريخ البالستية، وهي تعد بالمئات، إن لم يكن بالآلاف، ومنتشرة في اكثر من مكان، والهدف الأساسي هو إسقاط النظام، وهذا يشمل أبعد من اغتيال المرشد، باختصار أهداف إسرائيل لا يمكن تحقيقها بضربة خاطفة.
إسرائيل، إذاً، تدفع أميركا للدخول في حرب استنزاف طويلة الأمد مع ايران، تشبه أن لم تكن اخطر مما واجهته في العراق وأفغانستان، وهذا يعني سقوط قتلى أميركيين، وربما خسارة قواعدها العسكرية، وتلحق الضرر البالغ بحلفائها، وحتى بإسرائيل نفسها، التي ما زالت غير قادرة على حسم كل الملفات التي فتحتها خلال حرب العامين الماضيين، إن كان في لبنان، أو سورية وحتى غزة، أما أميركا فإن تورطها في حرب استنزاف في الشرق الأوسط، يعني وبشكل مؤكد أنها قد فقدت أي فرصة في الحفاظ على نظامها العالمي، ذلك أن تورطها في العراق وأفغانستان منذ مطلع الألفية الثالثة، كان سببا رئيسا في تقدم الصين اقتصاديا، وفي تعافي روسيا عسكريا وسياسيا، وبالتالي في قدرتهما على توجيه التحدي الجدي لزعامة أميركا للعالم.
ربما قبل أسابيع، حين بدأ حشد القوات الأميركية في الشرق الأوسط مترافقا مع تهديدات ترامب، وحيث كان الشرق الأوسط ينتظر اندلاع الحرب في أي لحظة، ومع إعلان ترامب نفسه صفقة «كل شيء أو لا شيء»: وفي أيام اندلاع التظاهرات الشعبية الحاشدة في ايران، بدا خيار الحرب مرجحا، أما الآن وبعد عدم سقوط النظام بالاحتجاجات، ومن ثم عدم استسلام ايران، فإن الحديث كله بات يدور حول خفض التصعيد، وهكذا ظهر التفاوض بديلا عن الحرب، ومنذ لحظة الإعلان عن التفاوض في تركيا، بحضور الدولة المضيفة ودول عربية كمراقبين، مع شروط ترامب التي تعني استسلام ايران، بدأت البوصلة بالانتقال والتحول، وذلك بعد إعلان ايران رفضها الموافقة على صفقة «كل شيء أو لا شيء»، أي الاستسلام، لأنها أدركت بأن ترامب بات متأكدا من عبثية توجيه ضربة خاطفة، ليس فقط لأنها لن تحقق أي هدف عسكري أو سياسي، بل لأنها أيضا تنطوي على خطر إشعال الشرق الأوسط، لأن ايران اعتبرت أي ضربة بمثابة حرب شاملة، لن تكتفي بالرد عليها كما فعلت بضرب «العيديد» في حزيران الماضي.
واحدث المطلب الإيراني ومن ثم قبوله، المتعلق بنقل مكان التفاوض إلى مسقط، الانتقال الحاسم من حديث الحرب إلى حديث التفاوض، لأنه أولا، يعني العودة إلى ما كان بين البلدين من تفاوض قبل عام، وليس التفاوض من جديد، وثانيا، ذلك يعني تحرر ايران من مواجهة مطالب الأطراف الإقليمية، وما يؤكد أن التفاوض في جولته الأولى حقق إنجازا لصالح ايران، هو تركيز التفاوض على البرنامج النووي، بشكل رئيس على الأقل، أي أن مدخل التحول الحاسم، كان في استعداد ايران لمواجهة الحرب الأميركية، وليس في محاولة تجنب تلك الحرب، ولا حتى في محاولة تجنب ضربة عسكرية خاطفة، أيا تكن أهدافها.
يذهب نتنياهو، غدا، إلى واشنطن ليحاول اعادة عقارب الساعة للوراء، بعد أن تحرك عقرب ساعة غزة نحو المرحلة الثانية، وبعد أن انخفضت حدة الحديث الأميركي نفسه عن التحذير بموعد محدد لإيران، بل وبعد أن اختفى الحديث الأميركي عن شروط الاستسلام، التي تشمل صفر تخصيب يورانيوم، ومدى صواريخ 300 كم، وقطع الصلة بجبهات المقاومة، وعدم التعرض للمتظاهرين، أو ما يسمى ملف حقوق الإنسان، وكذلك الأهم عند ترامب، قطع علاقة ايران التجارية بالصين وروسيا، وكما هو معلوم ايران تصدر اكثر من 90% من نفطها للصين، أي أن أميركا تريد ثروة ايران خارج دائرة الاستثمار الصيني، بينما إسرائيل تريد إضعاف قوة ايران العسكرية والاقتصادية حتى تتمكن هي من السيطرة على الإقليم، من هذه الزاوية التي تمثل شق الافتراق بين أميركا وإسرائيل، يمكن لإيران أن تواصل إدارة التفاوض الناجح مع أميركا، فتمنح ترامب ما يمكنه من الفوز في الانتخابات النصفية، فيما يخص تخصيب اليورانيوم، أي بالتوصل لاتفاقية افضل لترامب من اتفاقية أوباما العام 2015.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
