من المؤكّد أنّ الكارثة الإنسانية التي ألمّت بقطاع غزّة تفوق كلّ قدرة على التحمّل، بل تفوق القدرة على التصوُّر.
ومن المؤكّد، أيضاً، أنّ الكارثة على كلّ المستويات تنتقل بتسارع كبير إلى الضفة الغربية، هذا إذا أردنا تسمية الواقع بمسمّاه الحقيقي، الكارثة الناتجة عن الإجرام الإسرائيلي.
نقول هذا لكلّ الذين يرون في هذه الكوارث بأنّها هي «المسألة»، ويتوقف هنا، ويطيل الوقفة بحيث يمرّ بسرعة لافتة عمّا حدث، ويحدث من تحوّلات تاريخية وإستراتيجية لمصلحة الكفاح الوطني الفلسطيني، وما يستمرّ بالحدوث بصورة أكبر وأعمق في كلّ يوم من أيّام هذه الحرب الدموية والتدميرية، بحيث تصبح هذه النظرة ــ على صحّة الأعباء التي ترتبت عليها، وما سيترتّب عليها لاحقاً ــ هي القضية الوطنية كلها، وبحيث يصبح «الخوف» من تبعات هذه الكوارث أشدّ خطراً من كلّ التحوّلات التي أشرنا إليها، وسنأتي على مضمونها الأعمق والأهمّ.
أُخمّن أنّ الغالبية من هؤلاء ينطلقون من حرصٍ وطني، ويرون في الكوارث التي حلّت بنا مقدّمات لمخطّطات واسعة للتهجير القسري إذا أُتيحت الفرص لدولة الاحتلال، وللتهجير «الطوعي» الذي سيحقّق لدولة الاحتلال جزءاً من «أحلامها» بإحداث انقلاب كبير في الميزان الديمغرافي الذي يميل، أو أصبح يميل لصالح الفلسطينيين.
بل إن هؤلاء، ومعظمهم من منطلق الحرص الوطني يخشون من استفراد دولة الاحتلال بالشعب الفلسطيني في ظل حالة العجز والهوان العربية، وفي ظل الازدواجية الصارخة في المعايير الذي وصل إليه «الغرب»، وخصوصاً في المراكز الكبرى منه.
لكن قلّة قليلة من هؤلاء ــ حتى ولو أنّ نشاطهم الإعلامي على وسائل التواصل الاجتماعي يفوق أحجامهم بكثير ــ يتذرّعون بالكوارث، وبالأثمان الإنسانية الباهظة التي دفعها الشعب الفلسطيني، ويواصل دفعها للتعبير عن يأسهم، وإحباطهم، وعن رغبتهم «بالتأقلم» مع واقع الهيمنة الأميركية في الإقليم، ومن موقع البحث عن حلول تكرّس الهيمنة الإسرائيلية على المشهد الفلسطيني، ويرون أنّ «التعايش» مع الأطماع والأهداف الإسرائيلية أقلّ خطراً على القضية الوطنية من «مغامرات» الحرب، ومن تعريض «كلّ» شيء لخطر التبديد، وهم في الواقع لا يرون في «الحلول الاقتصادية»، أو «المعيشية» سوى ممرٍ إجباري في هذه المرحلة على «أمل» أن تتغيّر الظروف المحيطة في المستقبل. هذا إذا أحسنّا النيّة، ولم نذهب إلى أبعد من ذلك.
المسألة الجوهرية هنا هي أنّ التخلّي عن الأهداف والحقوق الوطنية، تحت مسمّيات وذرائع مختلفة من الناحية العملية المباشرة، وليس من الناحية النظرية الخالصة والمجرّدة، أصبح ــ أي التخلّي ــ ومن الناحية الواقعية المباشرة ممكناً، بل و»ضرورياً» إذا ما قيس بحجم الأعباء التي ترتّبت، وستترتّب على هذه الحرب العدوانية!
وهنا لدينا الكثير من الاعتبارات السياسية، والمصالح الاقتصادية، والامتيازات والتمايزات الإجماعية التي تتداخل وتتشابك مع كلا التيارين، الأوّل، وهو شعبي وطني في اعتباراته ومنطلقاته، وهو أكثري ــ كما أرى ــ والتيار الثاني، فئوي ومصلحي في اعتباراته ومنطلقاته، وهو أقلّوي ــ على كلّ حال ــ ومن حُسن الحظّ، أيضاً.
لكن هذه الحرب ــ على العكس من اعتقاد كلا التيارين انتشلت القضية الوطنية من بين براثن دولة الاحتلال التي جاهرت بكل الوسائل، وعملت على مدار السّاعة بهدف تصفيتها نهائياً، بعد أن «تمكّنت» بالتعاون مع الإدارات الأميركية المتعاقبة، وخصوصاً في مرحلتي ترامب وبايدن، من تهميش هذه القضية، ورَكنِها جانباً، بل والبدء بمسار التخلّي الرسمي العربي عنها من خلال «المباركة» لمسار «التطبيع»، ومن خلال تراجع الموقف الأوروبي إلى مستوى احتذاء المواقف الأميركية تحت حُجج يعرف القاصي والدّاني أنّها أقبح من كلّ ذنب.
أين القضية اليوم ممّا كانت عليه؟
شعوب الأرض كلّها هبّت دفاعاً عن حرّية فلسطين، وتحوّلت فلسطين في فترة قياسية من عمر أيّ شعبٍ من الشعوب إلى القضية رقم واحد، في العالم كلّه، وهبّت لنجدتها شبيبة العالم في عُقر دار «الغرب» كلّه، وانبرت دول وأحزاب ومنظمات للدفاع عن فلسطين، وتطوّعت لتجريم دولة الإجرام الإسرائيلي، وجرّها إلى محافل القانون الدولي، وتوالت الاعترافات بدلة فلسطين، وصدرت عن محكمة العدل الدولية قرارات استشارية ستتحوّل إلى فعل سياسي قانوني جبّار بعد عرضها على الجمعية العامة للأمم المتحدة، ونسفت بشكلٍ كامل كل الرواية الصهيونية حول أنّ «إسرائيل» هي دولة النهر والبحر.
ليس هذا فقط، فنحن على أبواب قرارات جديدة حول الإبادة الجماعية والتجويع، ونحن أمام جلب وإحضار قادة وجناة الحرب الإسرائيليين، والحبل على الجرّار، وما زال القادم هو الأكبر والأهمّ والأخطر على دولة وقادة الحرب الإجرامية والاحتلال.
انكسرت وانحصرت موجة «التطبيع» التي أُريد لها أن تكرّس دولة الاحتلال كلاعب مهيمن في مشروع الشرق الأوسط الجديد، وأصبح ما يسمّى بـ»التطبيع» هو شرط كسر معادلة الهيمنة الإسرائيلية، بل وكسر معادلة السيطرة والتحكُّم الأميركي بهذا الإقليم.
ودخلت الدولة العبرية، وللمرّة الأولى منذ النكبة في سلسلة من الأزمات الوجودية المستعصية بعد أن فقد جيشها القدرة على الانتصار في حروب سريعة وخاطفة، وتراجع «الردع» الإسرائيلي إلى حدود الخطر الوجودي، وخسرت دولة الاحتلال في هذه الحرب العدوانية كلّ شيء من زاوية «وحدة المجتمع»، ومن زاوية الثقة بالمؤسّسة العسكرية، ومن زاوية وحدة المؤسّسة العسكرية مع السياسية، ومن زاوية تحطّم هيبتها في التفوق العسكري والأمني، وحلّ بها من الخسائر الاقتصادية ما سيجعل من «الرفاه» الذي عاش عليه المجتمع الإسرائيلي مسألة من سابع المستحيلات. 
كما خسرت دولة الاحتلال «الأمن» خسارة مدوّية لا يمكن استعادته مطلقاً، طالما أنّها فشلت بربح حرب الإبادة الجماعية والتجويع، وطالما أنّها أصبحت عاجزة عن الردّ على التهديدات التي تحيط بها من كلّ جانب، سوى ببعض العمليات الاستعراضية، أو الاغتيالات التي تبدو ليست غير اعتراف كامل بالعجز والفشل.
هذا إضافةً إلى أكثر من ربع مليون «مهجّر»، ومغادرة أكثر من نصف مليون، وإعلان أكثر من 25% من سكّان الدولة العبرية، إمّا بالرغبة في الهجرة، أو هم شرعوا يفكّرون بالأمر، ونحن هنا في المجموع نتحدث عن طاقة بشرية قد تصل إلى مليوني شخص في المدى المرئي المباشر.
ثم ألا نلاحظ مدى التفاف وتعاطف شعوب الأمّة العربية كلّها حول خيار مقاومة الاحتلال؟ أليس هو هذا واقع وموقف شعوب العالم الإسلامي كلّه؟
ثم ألا يلتفّ شعبنا كلّه حول خيار التصدّي للعدوان والحرب الهمجية، وماذا عن جبهات إسناد الصمود الفلسطيني؟
ألم يثبت أنّ جبهات إسناد فلسطين قوية ومثابرة ومستعدّة للتضحية والفداء والافتداء دفاعاً عن شعبنا، وانتصاراً لحقه في الدفاع عن نفسه، وحقوقه الكاملة في الحرّية والاستقلال وتقرير المصير؟
ألا يدفع «حزب الله» اللبناني ضريبة كبيرة في هذا الإسناد، ألا يدفع «أنصار الله» الحوثيون الثمن الغالي والنفيس ــ على ندرته وشُحّه ــ دفاعاً عن الشعب الفلسطيني؟ ألا يؤسّس كلّ ذلك لمرحلة جديدة من صراعنا ضدّ دولة الاحتلال؟ 
هل كان سيتحقّق كلّ ذلك، وبما يشبه المعجزة لولا صمود المقاومة، ولولا التضحيات الجسيمة التي قدّمتها وتقدّمها في ملحمة المواجهة مع قوات الاحتلال في الضفة والقطاع؟
ألم يُساهم هذا الصمود في إعطاء دفعة جديدة لإعادة توحيد الصفّ الوطني، وخصوصاً بعد الإعلان عن اتفاق كافة الفصائل الفلسطينية على الوصول إلى وحدة وطنية شاملة تضمن كافة القوى في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وتشكيل حكومة توافق وطني مؤقّتة، وذلك في العاصمة الصينية بكين؟
لا يجوز أن نرى جانباً واحداً من صورة هذه الحرب الدموية والإجرامية، ولا يحقّ لنا التعامل مع كلّ هذه المنجزات من زوايا خاصة، حزبية أو فئوية، أو أن نعالج الأمور بمنطق المناكفة أو الشماتة، مع أنّنا مطالبون بكلّ ما أوتينا من قوّة، ومن إرادة بحقنا، وواجبنا في الانتقاد، وفي المطالبة بالمراجعة وبالتراجع عندما يلزم الأمر.
الذي يجب أن نراه هو أنّ التحوّلات قد بدأت.
إسرائيل وعلى لسان نتنياهو تقول بأنّ الصفقة قد نضجت!
جيش الاحتلال يقول، نعم نُحاول، ولكن الحلّ هو الصفقة.
العالم كلّه يقول، الحلّ هو الصفقة.
المجتمع الإسرائيلي يصرخ ويطالب بالصفقة بأيّ ثمن.
هل ندرك ماذا تعني الصفقة؟
في كلّ الأبعاد ستكون الصفقة هي وصول المشروع الصهيوني إلى مختنق، وإلى مفترق، وعليه أن يقرّر إذا كان لديه الوقت الكافي والقوة السياسية والمعنوية الكافية، إمّا التسليم بحقوق الشعب الفلسطيني، وإمّا المغامرة بكلّ شيء، بما فيها تعريض ملايين اليهود لأخطار جسيمة وبالغة على يد هؤلاء المجرمين والجناة من قادته.
التحوّلات بدأت يا سادة، ولا عزاء لمن لم يرَ ويُدرك.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد