فتح… من حركة تحرّر إلى إدارة واقع مُعقد
لم تكن حركة "فتح" يوماً مجرد تنظيم سياسي فحسب، بل كانت منذ انطلاقتها عام 1965 مشروعاً تحررياً فلسطينياً جامعاً قاد الكفاح المسلح وجسد طموح الشعب في استعادة وطنه. غير أن المسار الذي سلكته الحركة خلال العقود الماضية، خصوصاً بعد اتفاق أوسلو عام 1993، أفضى إلى تحوّلات جوهرية في هويتها ووظيفتها السياسية للحفاظ على حُلم الدولة مبتعدة نوعاً ما عن ثوابتها التنظيمية التأسيسية من أجل العمل الحكومي للوصول لحلم الدولة.
في بداياتها، حاولت "فتح" الجمع بين خيار المقاومة والانخراط في مسار التسوية، فامتزج العمل العسكري بالمفاوضات، وتجاورت لغة السلاح مع لغة الدبلوماسية. إلا أن هذا التوازن لم يصمد طويلاً، إذ بدأت كفّة السلطة تميل تدريجياً على حساب المشروع الثوري بإرادتها تارةً و بغير إرادتها تارة أخرى، حتى باتت الحركة جزءاً من بنية السلطة الفلسطينية وأجهزتها، وتراجعت مكانتها كحركة تحرّر وطني مسلحة.
أعاد اتفاق أوسلو تشكيل دور "فتح"، فانتقلت من قيادة مشروع مقاوم إلى إدارة كيان سياسي محدود الصلاحيات، يخضع لشروط الاحتلال والمانحين الدوليين. ومع مرور الوقت، ذابت الحركة ومنظمة التحرير الفلسطينية في مؤسسات السلطة، ما أفقدهما استقلاليتهما وقدرتهما على قيادة مشروع وطني جامع من وجهة نظر المعارضة وخاصة الأحزاب والتنظيمات الإسلامية واليسارية.
التحول الأخطر تمثل في الارتهان المتزايد لشروط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل، تحت ذريعة الحفاظ على "الاستقرار" ومنع انهيار السلطة. ومع كل جولة ضغط سياسي أو مالي، قدّمت القيادة الفلسطينية تنازلات جديدة مسّت جوهر القضية، بدءاً من إعادة تعريف مكانة الأسرى والشهداء، وصولاً إلى تعديل الخطاب السياسي والحُلم التاريخي للفلسطينيين -تحت ظروف إقليمية ودولية- فاقت الاحتمال حقيقة.
ومع اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة ، بدا هذا المسار أكثر وضوحاً. فقد استسلمت -ما باليد حيلة- القيادة الفلسطينية للمتطلبات الأميركية التي افترضت أن القضاء على المقاومة سيمهّد الطريق لعودة السلطة إلى القطاع ويُسهم في إرساء السلام، في محاولة للحفاظ على موقعها السياسي أو مسار الكيان الفلسطيني والحفاظ على ما تبقى بعد تغول التحالف الإسرائيلي الأمريكي، بينما لم تُعطي أمريكيا في الوقت نفسه ضمانات لمنع المخاطر الكبرى التي تهدّد الضفة الغربية من استيطان وضمّ وتفكيك جغرافي.
في هذا السياق، شهدنا تحوّلات بنيوية في الخطاب والممارسة السياسية لحركة "فتح"، من بينها:
-تحويل مخصّصات الشهداء والأسرى إلى إطار "معونة اجتماعية".
-القبول بتعديل المناهج التعليمية بما ينسجم مع شروط الجهات المانحة.
-فرض قيود على الترشّح للانتخابات عبر اشتراط الالتزام بالاتفاقيات السياسية القائمة.
-تهميش دور منظمة التحرير الفلسطينية كمظلّة تمثيلية جامعة.
لم يعد الأمر مجرّد تغيير في التكتيك السياسي، بل يعكس تحولاً في الرؤية الاستراتيجية -تحت ضغط القوة الامبريالية-، حيث أصبحت أولوية بقاء السلطة تتقدّم على الحفاظ على الثوابت الوطنية في ظل بقاء الرمح وحيداً وسط الرياح العاتية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل تُضحّي حركة "فتح" بثوابتها من أجل استمرار السلطة في ظل الجنون الامبريالي؟
أم تُضحّي بالحركة نفسها لضمان بقاء النظام السياسي القائم كي لا تهدم حُلم الدولة؟
كان الأجدر بالقيادة الفلسطينية أن تعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي جامع، وأن تطور مشروعاً وطنياً مقاوماً يتكيف مع المتغيرات دون التفريط بالثوابت. غير أن ما يجري اليوم يشير إلى مسار معاكس، يُعيد تعريف القضية الفلسطينية بما يتماشى مع شروط المنظومة الدولية، لا مع تطلعات الشعب الفلسطيني.
إن ما نشهده ليس مجرد نهاية مرحلة سياسية، بل مساس بالفكرة الوطنية ذاتها التي قامت عليها حركة "فتح": فكرة التحرير والكرامة والسيادة. وحين تُفرَّغ هذه الفكرة من مضمونها، تصبح عاجزة عن إنتاج مشروع تحرري جديد.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
