لم يصل الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر إلى قطاع غزة بعد، مع ذلك فأخبار هذه الزيارة التي تم تأجيلها شاعت وسادت في وسائل الإعلام الفلسطينية على وجه الخصوص، فأينما كان كارتر، كانت الوساطات والصفقات، وربما تسرب أنباء هذه الزيارة ودلالاتها، كان أحد أسباب تأجيلها، كارتر كما يبدو، يعمل لحسابه ولحساب «الحكماء الدوليين» لكنه في الواقع شريك لدى أطراف عديدة، في سياق مهمته المشار إليها، فإنه يضطلع بملفين متشابكين، مصالحتين أساسيتين، مصالحة فلسطينية داخلية بين حركتي فتح و حماس ، ومصالحة تنتهي باتفاق إسرائيلي ـ حمساوي، كارتر المشهور بالصمت الموازي بالصبر، ربما وجد التشجيع هذه المرة على الغرق في هذين الملفين، بعد جهود حثيثة بذلتها سويسرا، ومشاورات صامتة غير معلنة تجريها دول أوروبية من بينها ألمانيا، أدت إلى بداية دردشات إسرائيلية ـ حمساوية ثم الإعلان عنها صراحة من قبل حركة حماس، في وقت يشهد فيه الملف الثاني، وربما بسبب الملف الأول، تعقيدات ونكسات أدت على مغادرة حكومة الحمد الله قطاع غزة بعد ساعات قليلة من وصولها إليه بالتوازي مع الحملات السياسية والإعلامية بين الجانبين.
وفي زحمة هذه العناوين والملفات، تظهر السعودية من جديد، لكي تبرز كلاعب عربي ـ إقليمي كبير لا يمكن لأحد تجاهله، قيادتها لعاصفة الحزم، لم تكن مجرد التدخل في الملف اليمني، بقدر ما كانت إعادة «الحقبة السعودية» إلى الخارطة السياسية في المنطقة العربية والإقليمية، التطلعات المستجدة لدور سعودي بات أمراً مفروغاً منه على ضوء طموحات القيادة السعودية الجديدة، والرياض في ظل هذه التطلعات والطموحات ستتصدى للمساهمة الفاعلة لقيادة دور أساسي في حل القضايا الشائكة والمعقدة في المنطقة العربية على وجه الخصوص، لتأكيد دورها وقدرتها على أن تكون اللاعب الأساسي الذي لا يمكن الاستغناء عنه في أي مسعى لرسم خارطة المنطقة السياسية، حاولت المملكة في عهد الملك عبد الله أن تلعب هذا الدور من خلال التدخل في الوضع السوري، إلاّ أن هذا المسعى لم ينجح نتيجة لتجاوز الدور الإيراني للمملكة، ناهيك عن تعقيدات الوضع السوري الذي لم تتمكن الرياض بالرغم من تدخلاتها السياسية والمالية من السيطرة عليها، راهناً، الوضع اختلف كثيراً فمع عاصفة الحزم الموجهة أساساً ضد إيران، كما تعتقد السعودية، فإن الرياض ذكرت جميع الأطراف، بأنها باتت تستعيد دورها الذي كان في الستينيات والسبعينيات في القرن الماضي، وان هذا الدور يؤهلها كي تصبح الرقم الأساسي الذي لا بد منه في أي طبخة سياسية في المنطقة، باتت بمجموعها وكأنها منطقة نفوذ سياسية تابعة لها، وان تصديها للتمدد الإيراني عبر الحوثيين في اليمن، ليس خوفاً وخشية من تأثير هذا التمدد على الأوضاع الأمنية داخل حدودها، فحسب، بل لأن في هذا التصدي إظهار «العزم» على أن تستعيد حقبتها التي صادرها عبد الناصر عندما قاد الأمة العربية في زمن ولّى، واليوم، فإن السعودية، من خلال «الحزم» أثبتت جدارتها، ولو من خلال دم اليمنيين المراق في شوارع صنعاء وعدن وتعز، على أن تتسلم زمام أمور المنطقة، في ظل دور مصري باهت منشغل بأوضاعه الداخلية المزرية والمستعصية.
نقول ذلك، لنجيب على سؤال، لماذا تحرك كارتر الآن تحديداً، للتصدي لملفين معقدين، مصالحتين متداخلتين متناقضتين، عبر عنها بشكل «ساذج» المبعوث الأميركي السابق للمنطقة، مارتن انديك عندما تساءل: «لماذا يوافق نتنياهو على التفاوض مع «حماس» ويرفضه مع أبو مازن» والجواب قد يكون أكثر سذاجة، مع أنه أكثر صدقاً، إذ إن مصلحة إسرائيل تقضي بإقامة دولة غزة بشكلها النهائي الذي لا رجعة عنه، في إطار تسوية مع «حماس»، قد يسميها البعض هدنة، وقد يسميها بعض آخر تسوية سياسية أو اتفاقا سياسيا، يدوم طويلاً، وطويلاً جداً، حتى لو كان الاتفاق على سنوات محددة.
دعوة «حماس»، للسعودية لإعادة صياغة اتفاق مكة، إلى اتفاق مكة ـ 2 هو أحد مساعي كارتر في إدارته المحتملة للملفين، من خلال دور سعودي بارز في هذا السياق، خاصة فيما يتعلق ب المصالحة الفلسطينية ، يقال إن الرياض طالبت حركة حماس بالاعتراف «بالمبادرة العربية» التي أقرتها القمة العربية في بيروت على أساس المبادرة السعودية بهذا الشأن، كي تتمكن السعودية من أن تلعب دوراً مركزياً، كضامن لمصالحة فلسطينية داخلية، ومن خلال توفير العنصر المالي اللازم لتسوية أوضاع موظفي «حماس» ودمجهم في رواتب السلطة الفلسطينية، كما أن دعوة قيادة «حماس» إلى مكة ـ 2، يعني ببساطة سحب ملف المصالحة من جمهورية مصر العربية التي كانت تستحوذ على هذا الملف بدعم من الجامعة العربية، ومن طرفي الأزمة، حتى الحرب الإسرائيلية الثالثة على قطاع غزة.
كان يمكن أن تشكل هذه الدعوة، سذاجة واضحة، باعتبار أن الأمر لم يعد بحاجة إلى مبادرات واتفاقات جديدة، هناك ركام من هذه التوافقات تكللت بتشكيل حكومة الوفاق الوطني، لكن الأمر يعود بدرجة أساسية إلى ترحيل المصالحة إلى أبعد مدى ريثما تنجلي صورة المساعي الحثيثة التي تقوم بها كل من تركيا وقطر وإسرائيل لترسيم دولة «حماس» في قطاع غزة، وربما خشية كارتر من أن يسبق هذا الملف المتعلق بدولة غزة، نجاحه في إحراز تقدم على ملف المصالحة الفلسطينية الداخلية، هو الذي جعله يؤخر الزيارة، وربما يلغيها تماماً!!
Hanihabib272@hotmail.com

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد