لم تكن ثمة ضرورة لانتظار ثلاثة أشهر منذ بدء سريان مفعول اتفاقات أو تفاهمات التهدئة، حتى تدرك حركة حماس ما يجعلها تتخذ قراراً سليماً بعدم استقبال المنحة القطرية المخصصة لرواتب موظفيها.


الأموال القطرية، وليست كلها بطبيعة الحال، مسيّسة، وهي تدخل بالرغم من اعتراض السلطة الوطنية عليها، وتدخل من خلال إسرائيل وعبر الحقائب، وهي كانت الجزء الذي تتحمله قطر من تفاهمات التهدئة.


كان معلوماً أن تفاهمات التهدئة، تتخذ طابعاً إنسانياً، يسعى من ورائه الاحتلال، إلى تخفيف وطأة الأزمة المتفاقمة في قطاع غزة حتى لا ينفجر في وجهه، لكن هذه الإنسانوية، تصب في الأخير في اتجاه تحقيق هدف سياسي، وهو تأييد الانقسام، وتحقيق الانفصال وتحقيق دولة غزة كأمر واقع حتى لو لم يقبله هذا الطرف أو ذاك.


ثمن التهدئة كان باهظاً، بدون أن تتحقق أهداف الهيئة الوطنية لمسيرات العودة، وكسر الحصار، فلم تلتزم إسرائيل لا بكسر الحصار ولا حتى بتخفيفه ولم يبق من تفاهمات التهدئة سوء ما جرى من تطوير لقطاع الكهرباء بأموال قطرية ستتوقف عن دفعها بعد ثلاثة أشهر. ورواتب تقرر إسرائيل فيمن يحصل عليها مع معلومات كاملة. حتى المئة دولار من الأموال القطرية المخصصة للعائلات الفقيرة، تدخلت إسرائيل في من يحصل عليها ومن لا يحصل عليها من عامة الناس.


كل أركان قطاع غزة يصرخ ويناشد ضرورة التدخل العاجل من أجل معالجة بعض الأزمات الحقيقية التي تتعلق بحياة الناس من الصحة، إلى المياه، إلى البلديات، إلى قطاع الصناعة إلى البيئة هذا فضلاً عن الفقر المدقع والبطالة المتفاقمة، لكن لا أحد يستجيب. المفروض أن إسرائيل كدولة محتلة بما في ذلك لقطاع غزة، أن تتحمل أمام المجتمع الدولي المسؤولية عن تلبية احتياجات التي تحتل أرضهم لكن إسرائيل تهرب فيما المجتمع الدولي يتواطأ معها.


لا تفيد في معالجة الأزمات المتفاقمة لمليوني فلسطيني في غزة عمليات الترقيع الجارية، والتي تتخذ طابعاً وقتياً، وهو ما تقوم قطر جزئياً بفعله إذ ليس هناك حلول ذات طبيعة استراتيجية تؤمن للمؤسسات القدرة على التعامل مع الاحتياجات الأساسية للمواطنين والسبب في ذلك، هو أن قطاع غزة ينبغي أن يظل محل ابتزاز لأغراض ودوافع سياسية غير وطنية.


بعد وقت وما كان لذلك أن يحصل، تكتشف "حماس" أنه لا يمكن الوثوق بالاحتلال الإسرائيلي ولا بمن يتعامل أو يتعاون معه، فالتجربة تقرر أن هذه الدولة العنصرية لم تلتزم بأي اتفاقيات أو تفاهمات لا مع "حماس" ولا مع غير "حماس" من الجانب الفلسطيني، وأنها تتصرف كدولة مارقة خارج اطار ومؤسسات القانون الدولي. 


لقد تلاعبت إسرائيل بالأموال القطرية، حتى أصبح دخولها عبر الحقائب إلى قطاع غزة، خاضعاً للحسابات الانتخابية والسياسية الأمنية الإسرائيلية، ولا يتم ذلك إلاّ بقرار سياسي من الحكومة. الحكومة الإسرائيلية حول هذه التفاهمات إلى فضيحة. لا تستطيع كلمات السفير محمد العمادي أن تخفف من رائحتها النتنة، حتى بتحويل الأموال إلى مجالات أخرى عبر الأمم المتحدة.


كثيرة الأطراف الضالعة في هذه الفضيحة، ولا نعتقد أن هذه الأطراف أو معظمها ستتراجع، بل ستواصل اللعب مرة أخرى بأوجاع وآلام الفلسطينيين طالما بقي الانقسام.


إسرائيل نعم لا ترغب في تصعيد الأوضاع مع قطاع غزة، خصوصاً في هذه المرحلة، التي تشهد مزايدات رخيصة من قبل كل الأطراف المتنافسة في الانتخابات القادمة، لكن كل الأطراف لن تتوقف عن توظيف الوضع في القطاع في تحريض المستوطنين والناخبين.  


"حماس" والفصائل، هي الأخرى لا ترغب في تفجير وتصعيد الوضع على الجبهة مع إسرائيل، فكل ما تناضل من أجله هو كسر الحصار من خلال الضغط الشعبي المتواصل في أيام الجمع على الحدود الشرقية من المؤكد أن الطرفين، سيعملان على رفع مستوى التصعيد المحسوب الذي يؤدي بمسيرات العودة، إلى استخدام ذات الأشكال النضالية التي جرى التوقف عن ممارستها بفعل تفاهمات التهدئة، وفي المقابل ستعود إسرائيل إلى استخدام القوة المفرطة في مواجهة الشبان، لإسقاط أعداد أكبر من الشهداء والجرحى.


قرار "حماس" بوقف استقبال المنحة القطرية المخصصة للرواتب، قوبل بترحيب واسع من الفصائل الشريكة في مسيرات العودة ومن قبل الجمهور الفلسطيني، فلقد بدا لبعض الوقت سابقاً وكأن "حماس" تستثمر المسيرات، والشركاء، لتحقيق مصالح خاصة بموظفيها، طالما أن إسرائيل لم توسع دائرة رفع الحصار.


الأبواب والنوافذ مغلقة أمام إمكانية كسر الحصار أو التخفيف عن معانيات الناس المتفاقمة، فيما تعجز المؤسسات المسؤولة عن تقديم الخدمة التي يحتاجها المواطن لتأمين الحياة فلا المصالحة، طريقها مفتوح حتى لو ذهب الكل إلى موسكو، ولا طريق كسر الحصار ممكن في ظل السياسة الإسرائيلية ولا المجتمع الدولي مستعد للتدخل كما كان يحصل في سنوات سابقة.


في هذا الاطار، يترتب على "حماس" وفصائل المقاومة في غزة أن تحدد خياراتها إذ لا يكفي الاصرار على متابعة مسيرات العودة حتى بتصعيد محسوب، وسيكون الانفجار في وجه إسرائيل مكلفا للغاية والأرجح بدون أن ينتج عن ذلك حلول مختلفة عن نهايات الاعتداءات الإسرائيلية الثلاثة السابقة. هكذا وكما دائماً فأينما بحثت عن خيارات للخروج من المأزق، لن تجد سوى المصالحة وإعادة تحقيق الوحدة الوطنية، حتى لو كان ذلك بثمن لكنه أقل تكلفة من الخيارات الأخرى، والأكثر جدوى وطنياً.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد