بينما لا تتوقف ساعات البث التلفزيوني والإذاعي خلال الأربع وعشرين ساعة، وتهيمن عليها أخبار وتفاصيل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فإن جرائم بحق البشرية والقوانين الدولية ترتكب تحت شعار دخان الحرب.

لا مبرّر إطلاقاً لوسائل الإعلام، المرئية والمسموعة، خصوصاً العربية، أن تغلق شاشاتها وبرامجها فقط على مجريات وتفاصيل الحرب، وتلاحق كل صغيرة وكبيرة، حتى لو كانت تصريحات تافهة عن بعض الأراجوزات.

أحد عشر يوماً من الحرب الإقليمية التي سبق أن حذّرت منها أوساط دولية وعربية كثيرة، وقعت وكأنها قدر محتوم من قبل تجّار الحروب.

كل المؤشّرات كانت تدلّ على أن هذه الحرب قادمة، فالموضوع ليس موضوع تهديدات وجودية أو غير وجودية، وإنّما هو صراع الإخضاع والاستعباد والهيمنة المطلقة على شعوب المنطقة وأنظمتها.

خلال أيّام الحرب، دخلت الأراضي الفلسطينية المحتلة في مرحلة معاناة شديدة، ف القدس تتعرّض للتطهير العرقي، ولا تتوقف الاقتحامات للمسجد الأقصى، وتعمل سلطات الاحتلال على تقليص أعداد المصلّين في الحرم القدسي الشريف، وتنغيص حياة المعتكفين فيه.

الضفة الغربية مستباحة جهاراً نهاراً، حيث تتعرّض لإجراءات لا تتوقّف لتوسيع وتعميق سيطرة الاحتلال الأمنية والمدنية، في إطار وسياق مخطّطات الضمّ الفعلي، قبل أن تتاح الفرصة لإعلان بسط السيطرة على كل الأرض الفلسطينية.

لا تتوقّف الاقتحامات للمدن والقرى والبلدات والمخيّمات، ولا تتوقف عمليات مصادرة الأراضي وهدم البيوت، واعتقال المدنيين ونشر الحواجز العسكرية.

لا تتوقّف هجمات المستوطنين، الذين ينتظرون من بن غفير تقديم آلاف قطع السلاح، لأعداد كثيرة منهم، بما يجعل المنطقة أمام جيش فاشي آخر، ولكن بلا قواعد ولا أخلاقيات، وبلا حدود.

عملياً الضفة تخضع لما يمكن اعتباره قانون طوارئ، فيما تتعرض السلطة الوطنية لضغوط هائلة وحصار مالي وقانوني وإجرائي من قبل دولة الاحتلال، وداعميها الدوليّين.

تسابق حكومة الاحتلال الزمن، لتحقيق كل ما تسعى لتحقيقه، وما تسعى لتحقيقه هو إعلان بسط السيادة الاحتلالية على كل الضفة والقدس، ووضع الفلسطينيين أمام خيارات محدودة، فإمّا الخضوع، وقبول الاستعباد، وإمّا المغادرة والهجرة إلى حيث يرغبون.

سباق الزمن له علاقة بالفترة التي يشغلها رئيس أميركا دونالد ترامب في البيت الأبيض لأنه الأكثر إخلاصاً لدعم دولة الاحتلال ومشاريعها التوسّعية.

تعرف القيادة الإسرائيلية أن أميركا تتغيّر في غير مصلحتها، وربّما تتحسب لإمكانية أن لا ينجح ترامب في الاستمرار في البيت الأبيض حتى عام 2028.

ترامب رئيس «مجلس السلام»، الرئيس الذي يشغل كل وسائل الإعلام يومياً، ولا يترك صغيرة أو كبيرة إلّا ويعلّق عليها، لا يجد هو ومجلسه وقتاً لمتابعة ما يجري بشأن خطّته العشرينية بخصوص قطاع غزّة.

في الحقيقة الجوقة كبيرة التي تغيب عن ما يجري في القطاع، فعدا ترامب، هناك أعضاء «مجلس السلام» والطواقم الإدارية وممثلو الدول المشاركة، في الواقع فإن الغياب كلّي تماماً.

ربما ينتظر أعضاء المجلس، ما يصدر من قرارات من قبل ترامب حتى يدركوا أن عضويتهم في المجلس تساوي صفراً، وأنهم مجرّد أدوات أو روبوتات بيد ترامب مفاتيحها.

خمسة أشهر مرّت على دخول «خطة ترامب» حيّز التنفيذ، وحتى الآن لم ينجح المجلس في الانتقال إلى المرحلة الثانية.

فشل الانتقال للمرحلة الثانية، ليس فقط هدفاً إسرائيلياً، فالأرجح أن ترامب، متواطئ إلى أبعد الحدود مع ما يريده ويسعى إليه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المطلوب لـ»الجنائية الدولية».

الحرب التي تشغل الجميع بدأت قبل أحد عشر يوماً، ولكن ماذا عن قبلها؟

هل تمكّنت اللجنة الوطنية لإدارة غزّة التي نالت موافقة الجميع، من الدخول إلى القطاع؟

هل توقّف القصف اليومي، والاغتيالات والتوسّع؟

دولة الاحتلال تسيطر على المعابر وآليات الحركة عليها، توقفها متى تشاء، وتشغّلها متى تشاء، وتسيطر على كل حبّة دواء أو طعام، ولا تسمح بإدخال الكثير من المواد الضرورية.

لا خيام ولا «كرفانات»، ولا معدّات ثقيلة أو خفيفة، ولا أيّ مواد تدخل في محاولات تحسين البنى التحتية.

ماذا تغيّر على أهل القطاع. نعم توقّفت حرب الإبادة والتجويع بالمعدلات التي كانت تتمّ فيها وتحصد أعداداً كبيرة من الشهداء والجرحى والمصابين، وقد تمّ السماح بإدخال مساعدات وبضائع تجارية غذائية لمن يستطيع شراءها، ومعظم سكان القطاع لا يملكون مالاً للحصول عليها.

الناس يقولون إن الحال أفضل، وهو أفضل بالمعنى النسبي قياساً بما كان قبل وقف حرب الإبادة.

دولة الاحتلال تتصرّف بحرّية كاملة في الضفة والقدس و غزة ، دون تدخل من أي طرف، فلا «مجلس السلام» حاضر، ولا الوسطاء، والمقاومة فقدت الخيارات، وفي الضفة لا مقاومة ولا مفاوضة، إلّا من الصراخ ورفع الصوت، والتحرّكات الدبلوماسية.

على كلّ حال المنطقة كلّها بما في ذلك فلسطين، ستكون معرّضة لتغييرات جيوسياسية هائلة بعد توقف الحرب على إيران، ولكن الثابت الأكيد أن الشعب الفلسطيني لن يغادر أرضه بأيّ حال من الأحوال.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد