291-TRIAL- بات من الواضح أن مشروع المصالحة الفلسطينية يراوح مكانه عاجزاً عن التقدم وعن التراجع أيضاً، نوع من الصدمة التي ترافق الكثير من الأسئلة التي يتداولها المواطنون والتي تبحث عن تفسير لحالة العجز تلك، فقد وقعت الأطراف الاتفاق الذي أنهى الانقسام وشهدت وشاهدت الناس تشكيل حكومة واحدة لأول مرة منذ أكثر من سبع سنوات لكن الوضع في قطاع غزة يزداد سوء فهل يعكس ذلك فشل الأطراف في التطبيق أم في غياب النوايا أم أن هناك أيادي خفية تعبث من الخلف وأسئلة كثيرة تحاول البحث عن إجابة.
المسألة أبعد من ذلك فهي مرتبطة بهندسة السياسة وتركيب معادلاتها الدقيقة، فعندما يمارس السياسيون مهنتهم بعيداً عن التوقف في كل محطة من محطاتها والتفكير ملياً بها للتجهيز للانتقال للمحطة التي تليها من الطبيعي أن تكثر المفاجآت ويسود الارتباك وعندما لا يتم التفكير بعمق وعندما تتجنب الأطراف الحوارات العميقة وتستسهل واقعاً على درجة من التعقيد فإننا أمام عدد من الألغام التي تنفجر تباعاً لأن الأطراف لم تفككها بهدوء.
ليس صدفة ان المصالحة اصطدمت بحقيقة الحقائق التي تهربت منها الأطراف منذ سنوات في تجنب نقاشها في الحوارات الطويلة اصطدمت بواقع مركب وملتبس الي حد كبير، وهو نتاج طبيعي لمسار طويل من الالتباسات منذ وجدنا أنفسنا أمام العقدة الأكبر بعد توقيع اتفاق المصالحة المشلولة ليس لأن الفصائل لا تريد السير قدماً بل لأن الواقع المركب اكثر وطأة من استسهال التقدم، فالأزمة هنا أكثر وضوحاً في غزة التي لم ينتبه الجميع أنها تشهد حالة غريبة لأن الفصائل عجزت عن توصيف غزة وموقعها من النظام السياسي وبرنامجه فغزة التي كانت خلال السنوات الماضية حالة منفصلة وتختلف عن الضفة الغربية مسرحاً للحروب ومادة للحصار بما لم تشبه منطقة أخرى. الآن بعد المصالحة ذهبت الفصائل باتجاه الوفاق دون ان تتوقف أمام السؤال الضروري والمؤجل وهو: ماهو موقع غزة من السياسة الفلسطينية؟ وماهو موقعها من الاتفاقيات مع إسرائيل؟ فغزة التي بدت تائهة مرة تخوض حربها ومرة ترسل وفدا للتفاوض عنها إلى القاهرة "لاحظوا التفاوض باسم غزة وحتى بعد تشكيل حكومة لكل الوطن" مفاوضات كأنها تعيد تكرار تجربة سبقت العقدين من الزمن سنكون بالتأكيد بغنى عنها لو توقفنا وحددنا موقع غزة.
فالسؤال هو: هل غزة مشمولة بالاتفاقيات السابقة التي وقعتها السلطة ومنظمة التحرير أم لا؟ هل نريدها ضمن الاتفاقيات أم لا؟ فإذا كانت مشمولة لا داعي مثلاً لانتظار مفاوضات القاهرة كأنها منطقة منفصلة بل ينبغي التنفيذ فقط والتنفيذ يعني التبادلية سواء للفلسطينيين أم عليهم وهكذا يرفع الحصار، أما اذا كانت حالة رافضة لتلك الالتزامات يبرز السؤال المهم ما الذي تفعله حكومة ملتزمة بالاتفاقيات في منطقة غير مشمولة بها وغير قابلة لها؟ فعلى هذه الحكومة أن تطوي ملفاتها وترحل من غزة وحينها من حق غزة أن ت فتح مفاوضاتها الخاصة وتصيغ اتفاقياتها بمعزل عن السلطة.
ماذا يعني وجود حكومة تلتزم بالاتفاقيات وحكم غير ملتزم بها، والمسألة هنا ليس من أفضل للفلسطينيين فهذا موضوع آخر بل عن حجم التعارض الصارخ بينهما حد العظم والذي جعل غزة وسط هذه الحالة الفريدة التي لا تعرف نفسها حتى اللحظة هل هي جزء من النظام السياسي ونتائجه أم خارجه؟ وهنا السؤال الأبرز لحركة حماس : هل هي جزء من السلطة أم خارجها، أو ان السلطة هنا ليس فقط المؤسسات بل أيضاً التزامات هذه المؤسسات وتنبع أهمية الإجابة من أن السلطة نفسها وليدة لتلك الاتفاقيات خاصة بعد أن اتضح أنه لا يمكن تجزئتها بل انها كل متكامل استطاع الإسرائيلي أن يحكم قبضته على ثنائية التبادلية بإتقان شديد.
هذه الأسئلة وإجاباتها مهمة لفك الاشتباك القائم في غزة بين الحكومة والحكم، وتبقى مهمة إذا ما أصرت حركتا فتح وحماس على استمرار السلطة أما في حال حلها يصبح الأمر مختلفاً، لكننا أمام واقع وسلطة واتفاقيات وأمام هذا الواقع لا يمكن أن تنتهي هذه الحالة في غزة إلا بتقديم إجابات صحيحة لا تضع أمام غزة وحركة حماس سوى خيارات ثلاثة محددة، وهي الأول إما أن تعترف باتفاقيات السلطة السابقة وتوفر مفاوضات جديدة لرفع الحصار وعدم الاعتراف هو ما تسبب بأزمة الاختناق خلال سنوات حكمها ومن شبه المؤكد أن هذا خيار مستحيل ما يعني استمرار الحالة على ما هي عليه واستمرار الحصار والتناقض بين الحكم والحكومة هذا إذا استمرت الحكومة.
الثاني: أن تسلم الحكم كاملاً في القطاع لأصحاب هذا الخيار وتستمر بالترفع عن تلك الالتزامات.
الثالث: والذي بات منطقياً أن تطالب حكومة التوافق بالرحيل لأنها لن تستقيم مع حكم يتعارض مع التزاماتها فهذه الحكومة هي منتج للسلطة وسياستها المعروفة.
أما استمرار هذه الحالة الأقرب للفهلوة السياسية منها لممارسة سياسية ذكية مستمدة من فكر سياسي رصين لا يجوز، ولا يجوز أن تستمر التعامي عن رفع مستوى النقاش والحوار إلى قضايا مفصلية إلى الحد الذي يجعل من نظامنا السياسي أشبه بخلطة عجيبة غير مفهومة فهذا لا يمكن استمراره بل ويتسبب في حالة عجز قاصمة لظهر المواطن ولمصالحه الشخصية والوطنية وقد أثبتت السنوات السابقة ذلك ولا مجال للتجريب أو للتهرب من الإجابات المؤجلة منذ سنوات.
في عام 1963 كان رئيس الوزراء الإسرائيلي دافيد بن غوريون يقدم استقالته للمرة الثانية وكانت تلك استقالة نهائية وقد كتب الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل أن بن غوريون غادر بعد أن اطمأن لمسألتين الأولى أن المشروع النووي الإسرائيلي كان قد وقف على قدميه ولا خوف على الدولة التي أسسها، والثانية أنه كان قد أنشأ مؤسسات أمنية وتتبعها مراكز بحثية كان قد وضع قرار السياسة في يد تلك المؤسسات وليس في يد "هواة السياسة المتشاكسين من قيادات الأحزاب" كما وصفهم بن غوريون .. فهل المشكلة أن من يقود ويصنع السياسة لدينا هم مجموعة من "الهواة المتشاكسين؟". 
Atallah.akram@hotmail.com
276

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد