مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر، تتجه المنافسة إلى سباق مفتوح لا تحسمه بالضرورة هوية الحزب الذي سيحصل على أكبر عدد من المقاعد، بل قدرة المعسكرين على تشكيل أغلبية تبلغ 61 مقعداً في الكنيست . فاستطلاعات الرأي لا تقدم حتى الآن صورة مستقرة لميزان القوى، فيما قد تؤدي نسبة الحسم، وحجم التصويت العربي والحريدي، والتحولات في الأجندة الأمنية والسياسية، إلى إعادة تشكيل الخريطة الانتخابية. وإذا أخفقت صناديق الاقتراع في إنتاج أغلبية واضحة، فستبدأ معركة أخرى على تركيب الحكومة، وقد تنتهي إلى حكومة وحدة أو أقلية أو انتخابات جديدة.
تختلف الاستطلاعات في تقدير قوة الليكود وقوائم غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت وبقية الأحزاب، ما يفرض التعامل معها باعتبارها مؤشراً إلى الاتجاهات، لا نتيجة مسبقة. فحركة المقاعد بين الأحزاب داخل المعسكر الواحد قد تغير ترتيب القوى من دون أن تغير ميزان الكتل، بينما يمكن لانتقال أصوات بين المعسكرين أن يؤثر مباشرة في فرص تشكيل الحكومة.
وتزداد أهمية نسبة الحسم في هذا السياق. فسقوط قائمة صغيرة تحتها قد يؤدي إلى ضياع أصوات كان يمكن أن تتحول إلى مقاعد، ويغير حسابات تشكيل الحكومة. وتمثل قائمة "عمخا يسرائيل" بقيادة عوفر فينتر مثالاً على هذه المعضلة، إذ إن دخولها الكنيست قد يمنحها دوراً في المفاوضات، بينما قد يؤدي إخفاقها إلى خسارة انتخابية لمعسكر اليمين إذا ذهبت أصواتها سدى. لذلك لا تقتصر المنافسة داخل اليمين على استقطاب الناخبين، بل تشمل أيضاً منع القوائم المتقاربة سياسياً من السقوط تحت نسبة الحسم.
يمتلك معسكر بنيامين نتنياهو شبكة شراكات أكثر وضوحاً، تشمل الليكود والأحزاب الحريدية وقوى اليمين، لكنه يواجه في الوقت نفسه منافسة بين أحزابه على أصوات متداخلة. فانتقال المقاعد بين الليكود وبن غفير وسموتريتش والقوائم اليمينية الأخرى لا يضعف المعسكر بالضرورة، ما دامت الأصوات تتحول إلى مقاعد وتبقى داخله. أما الخطر فيكمن في انتقال الأصوات إلى قوائم لا تتجاوز نسبة الحسم.
وتبقى الأحزاب الحريدية شريكاً أساسياً في حسابات نتنياهو، لكن قضية التجنيد والإعفاءات العسكرية تمثل نقطة ضغط انتخابية وائتلافية. فهي تمنح المعارضة فرصة لمخاطبة الناخبين العلمانيين والوسطيين، لكنها قد تقيد خياراتها بعد الانتخابات إذا أصبحت المقاعد الحريدية ضرورية لتشكيل الحكومة.
في المقابل، لا يعني التنسيق بين آيزنكوت وبينيت ويائير لابيد وأفيغدور ليبرمان ويائير غولان أن كتلة التغيير أصبحت تحالفاً متجانساً. فما زالت الخلافات قائمة بشأن الأحزاب العربية، والحريديم، والتجنيد، والقضية الفلسطينية، والاستيطان، وتركيبة الحكومة المقبلة، فضلاً عن التنافس على قيادتها.
يسعى آيزنكوت إلى تعزيز موقعه مستفيداً من خلفيته الأمنية وقدرته على مخاطبة ناخبين من الوسط واليمين المعتدل. لكن تقدمه على حساب بينيت أو ليبرمان أو الديمقراطيين لا يوسع الكتلة بالضرورة؛ فالمعيار الأهم هو قدرته على استقطاب أصوات من خارجها. ويواجه بينيت وليبرمان بدورهما اختباراً مشابهاً: جذب ناخبين يمينيين يريدون تغيير القيادة من دون الانتقال إلى اليسار.
وإذا لم تتمكن الكتلة من الوصول إلى 61 مقعداً، فستواجه سؤالاً لا يقل أهمية عن منع نتنياهو من تشكيل الحكومة: من أين ستأتي بالمقاعد اللازمة لحكم البلاد؟ فالاعتماد على دعم الأحزاب العربية، أو التفاهم مع الحريديم، أو تشكيل حكومة أقلية، خيارات تصطدم بخلافات وفيتوهات سياسية داخلية.
قد تصبح المقاعد العربية عاملاً حاسماً إذا أخفق المعسكران في بلوغ أغلبية الـ61 مقعداً. وقد أعلنت القائمة المشتركة، استعدادها لأن تكون شبكة أمان لحكومة يقودها آيزنكوت، شريطة الالتزام بالمطالب التي وضعتها، فيما أعلن منصور عباس دعمه لمعسكر آيزنكوت وقوى التغيير. لكن هذه المواقف تضع آيزنكوت أمام معضلة تتجاوز الحسابات البرلمانية إلى المنافسة الانتخابية نفسها.
يستثمر نتنياهو احتمال اعتماد آيزنكوت على دعم الأحزاب العربية لمهاجمته، محاولاً تقديمه للناخبين باعتباره مستعداً للوصول إلى الحكم بالاستناد إلى هذا الدعم. وفي المقابل، تبدو مواقف آيزنكوت مترددة بين حاجته المحتملة إلى المقاعد العربية لتشكيل حكومة بديلة، وحرصه على استقطاب ناخبين من الوسط واليمين لا يقبلون بهذا الخيار. وهكذا، تتحول الأصوات العربية إلى مفارقة انتخابية: قد تكون ضرورية لتشكيل الحكومة، لكنها قد تصبح عبئاً على من يحتاج إليها قبل الانتخابات.
ولا تتعلق المسألة فقط بما إذا كان آيزنكوت سيقبل دعماً عربياً، بل بطبيعة هذا الدعم وشروطه، وباستعداده للاعتراف علناً بدوره في تشكيل الحكومة أو ضمان استمرارها. فإذا رفض هذا الخيار بصورة قاطعة، فقد يضيّق على نفسه خيارات تشكيل الحكومة؛ وإذا قبله، فإنه يمنح نتنياهو فرصة لمواصلة استهدافه انتخابياً. لذلك، لن يتوقف تأثير المقاعد العربية على عددها وحده، بل أيضاً على قدرة آيزنكوت على إدارة التناقض بين حساباته الانتخابية ومتطلبات تشكيل الحكومة بعد إعلان النتائج.
ستتوقف اتجاهات الحملة أيضاً على القضية التي ستتصدر اهتمامات الناخبين. يسعى نتنياهو إلى تركيز النقاش على التهديدات الأمنية والقدرة على إدارتها، بينما تحاول المعارضة إبقاء المسؤولية عن إخفاق 7 أكتوبر وضرورة تشكيل لجنة تحقيق شاملة في مركز المواجهة.
لكن استمرار التركيز على مسؤولية الحكومة لا يضمن وحده انتقال أصوات جديدة إلى المعارضة. فلكي توسع قاعدتها، تحتاج إلى ربط هذا الملف ببرنامج واضح للأمن والاقتصاد والتعليم والتجنيد والعلاقة بين الدين والدولة. كما يمكن لأي تطور أمني أو قضائي أو اقتصادي أن يعيد ترتيب أولويات الناخبين في الأيام الأخيرة.
في ضوء ذلك لا تتحدد الانتخابات الإسرائيلية بهوية الحزب المتصدر وحدها، بل بقدرة كل معسكر على تحويل أصواته إلى أغلبية قابلة للحكم. وإذا لم تمنح النتائج أياً منهما 61 مقعداً، فقد تصبح المفاوضات والصفقات السياسية والانشقاقات أكثر أهمية من الفوارق بين الأحزاب ليلة الانتخابات. عندها لن يكون السؤال من فاز بالانتخابات فقط، بل من يستطيع تشكيل الحكومة، وبأي ثمن سياسي، وإلى متى يمكنها الاستمرار.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
