يفاجئني فخامة الرئيس محمود عباس ، الذي أعتقد أنه يعاني مزيج من البارانويا والنرجسية، بقراراته التي تذهب بالحالة الفلسطينية إلى الجحيم، فرغم توجس الجميع من جدية مرسومه بتنظيم الانتخابات العامة، إلا أنني كنت أعتقد أنه سيمضي قدماً في الأمر، لاعتبارات كثيرة أولها الحالة الوطنية والمخاطر الجدية على التمثيل الفلسطيني في ظل خطة الرئيس الأمريكي ترامب، وثانيها أن الكل يدرك أن الإقدام على هذه الخطوة كان نتيجة الضغوط الدولية التي تسعى لتجديد شرعية السلطة ديمقراطياً، وبالتالي فإن الإقدام عليها ومن ثم التراجع، ستكون له تداعيات أكبر من مقاومة الضغوط وعدم الإقدام على الخطوة من الأساس.
أبو مازن جاء إلى السلطة كرئيس منتخب ببرنامج سياسي يعلي من مكانة المأسسة ومحاربة الفساد وما إلى ذلك من توجهات دغدغت مشاعر بعض خصومة وليس أنصاره فقط، ولكنه ما إن تولى السلطة حتى انقلب على برنامجه وعلى كل المكتسبات التي حققتها السلطة في الفترة السابقة على رئاسته، فبدت الانتخابات محطة غير قابلة للتكرار، لأنه فقد شرعيته الشعبية والقانونية منذ عام 2009 ومع ذلك تشبث بالسلطة، وألغى انتخابات 2021 تحت ذريعة القدس وهي ذريعة واهية ولم تقنع أهل القدس أو حتى الطفل الصغير.
وأعتقد أن فخامة الرئيس لن يسلم السلطة في حياته بل سيغادرها عند مغادرته الحياة، وهذ الاعتقاد منشأه أداء أبو مازن، الذي يعتبر أداءً منفراً يجعل حظوظ فريقه في الفوز في الانتخابات صفرية.
فهو انقض على القانون الأساسي ودمر النظام السياسي الفلسطيني القائم على الفصل المتوازن بين السلطات، واستقلال السلطة القضائية، فأصدر مراسيماً دمرت استقلال القضاء وجعل من السلطة القضائية سلطة تابعة، وحل المجلس التشريعي رغم أنه غير خاضع لسلطته مستخدماً القضاء - بعد التعديلات- لهذه الغاية، رغم أن شرعية التشريعي أقوى من شرعيته، فهو الأحدث انتخاباً، والأوسع مشاركة.
لقد نجح أبو مازن في تسليم قطاع غزة في حزيران 2007 لحركة حماس ، التي لم تكن تقوى على مواجهة السلطة عسكرياً في ذلك الوقت، بل وظلت ضعيفة إلى ما بعد 2009 حيث بدأت قدراتها وبنيتها التحتية العسكرية تتطور بمساعدة حزب الله وإيران. لماذا دفع أبو مازن حماس للسيطرة على غزة، أنا أعتقد أن هدفه الوحيد كان التخلص من فتح غزة ورموزها، وبالفعل نجح في التخلص من قيادات أسهمت في قدومه إلى السلطة وعلى رأسها محمد دحلان ونجح في جعل الحركة على مقاسه، فطرد كل من يخالفه الرأي أو يعارضه، بل أوقف راتب كل من يشك في ولاءه لأبي مازن وكأن المال من جيبه وليس مال الشعب الفلسطيني.
وبعد الانقسام بدا واضحاً أن فخامته ناقم على غزة ومشارك في حصارها، فقد جن جنونه عندما ظهرت معلومات بإمكانية حدوث تفاهمات بين حماس والاحتلال، قد تخفف من حصار غزة، ما أظهره بمظهر من يحاصر غزة، ناهيكم عن عقاب غزة كلها فتحها قبل حماسها، فمن التقاعد المبكر لوقف الترقيات وحسم المرتبات لموظفي السلطة بما في ذلك قيادات حركته في غزة ومنع التوظيف إلا استثناءً لخاصته من أولاد الوزراء والمستشارين.
وعليه فعند إعلان مرسوم الانتخابات كان الأمر مفاجئاً لأن هواة الساسة وليس محترفوها يدركون أن لا حظوظ لفتح أبو مازن لا في غزة، التي لم تلمس أي خطوة لمساعدتها خلال الإبادة، ولا في الضفة، التي ترى الممارسات نفسها التي أوصلت حماس إلى فوزها الساحق. وخلال هذا الوقت الطويل (20) عاماً شهدت الأراضي الفلسطينية متغيرات دراماتيكية على شعبية حركة فتح، والتي ينحاز أغلب منتسبيها إلى تيار الإصلاح، فدحلان لم يتوقف عن مساعدة ومساندة الناس والوقوف إلى جانبهم، حتى قبل الإبادة أنا أذكر أن أهل غزة حصلوا على لقاحات الكوفيد، التي أتى بها دحلان، قبل كثير من دول العرب، فيما كانت الكميات المحدودة التي وصلت إلى رام الله محل صراع وفساد في التوزيع.
لقد دمر فخامته مؤسسات السلطة وكذلك هو حال مؤسسات منظمة التحرير، من مجلس وطني ولجنة تنفيذية وصندوق قومي حيث تعامل معها بالنهج نفسه ففي المجلس الوطني لم يدعَ أعضاء ودعي أخرون على مقاس الرئيس وحساباته، لتخرج منظمة التحرير من دائرة الفعل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، رغم أن مسئوليتها جسام على الأقل تجاه فلسطينيي الشتات.
إن ممارسات فخامة الرئيس على مدى العشرين عاماً المنصرمة دمرت حركة فتح كما دمرت كل عناصر القوة الفلسطينية وفي مقدمتها الوحدة الوطنية.
ومن نافلة القول أن تفتيت البيت الفتحاوي لم يكن نتيجة لصراع سياسي أو فكري، بل هو صراع شخصي يتجاوز شخص الرئيس لمجرد انتقاد أولاده ومنافعهم الاقتصادية، لأن السيد دحلان من مدرسة أبو مازن السياسية نفسها، لا صراع بينهم في ذلك الوقت على توجهات السلطة السياسية.
والغريب في الأمر أن الصراع الحقيقي كان بين حماس ومحمد دحلان، ولكن لأن الطرفين يفهمان السياسة التي لا تعرف خصومة دائمة ولا تحالف دائم، اقتربا مع الوقت ونجحا في الوصول إلى قواسم مشتركة.
واليوم أنا أعتقد أن ما من فرصة أمام الرئيس وفتحه إلا التوافق الوطني وقبله التوافق الفتحاوي، فهو بدون التوافق سيخسر كل شيء، ولا أمل لفتح التي يقودها بأي نجاح في أي انتخابات قادمة، وإن لم تكن في حياته فبعد مماته، ليس له إلا التوافق. وما يجري في القاهرة يمثل فرصة تاريخية وربما أخيره، إذا كان هناك من عقلاء حول الرئيس عليهم أن يدفعوا به لاغتنامها، لأن لا خصومة دائمة في السياسة خاصة مع القوى الوطنية، العداوة الدائمة هي مع العدو ولكن أبو مازن قلب المعادلات، واليوم هو وتياره أمام فرصة تاريخية للنجاة السياسية.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
