قلنا في المقال الأول من سلسلة مقالات «الخطايا...»: إن نتنياهو قد وقع في شر خطاياه عندما أقدم عن سابق وعي وتربص وتخطيط على انقلابه القضائي الذي بات مَعلماً مفصلياً من معالم الأزمة الداخلية الطاحنة.
والخطيئة الثانية والقاتلة (كما سنوضح)، جوهرها أن القوة، والقوة وحدها، هي الكفيلة بالدفاع عن وجود الدولة وعن بقائها ومستقبلها، وأن ما لم تحسمه القوة لا يُحسم بغير مزيد من القوة.
إلى هنا تبدو هذه الإستراتيجية ليست جديدة، وهي ليست من ابتكار نتنياهو، لأنها إستراتيجية معتمدة تماماً ومستمدة من المراجع الدينية على المستوى الفكري والأيديولوجي، كما أنها خلاصة السياسة الإستراتيجية في كافة القوى والأحزاب الصهيونية، وهي السياسة التي بقيت ثابتة وفي موضع الإجماع في ممارسات وسياسات، وفي خطط وبرامج هذه الأحزاب منذ تأسيس الدولة وحتى يومنا هذا.
ولا توجد فوارق جوهرية أو حتى غير جوهرية بين اليمين واليسار، وبين القومي والديني، وبين العلماني والملحد، وبين الليبرالي والمحافظ، بل ولا توجد مثل هذه الفوارق إلا جزئياً بين هذا الإجماع وبين الأحزاب التي لم تعد ملتزمة بالفكر الصهيوني الكامل، وتحاول أن تنأى بنفسها أحياناً عن هذا الإجماع، ومواصلتها الدوران في المحيط الصهيوني.
كما لا تبدو هذه الإستراتيجية مختلفة في مرحلة التأسيس، والنشأة والتكوين عنها في المراحل اللاحقة بما فيها المرحلة الراهنة.
وأي استعراض منصف من الزاوية العلمية والمنطقية، ومن زاوية البحث التاريخي الرصين، سيخرج بالتأكيد بالنتائج التي تؤكد هذه الحقيقة، وبالاستنتاجات والخلاصات التي لا تخرج عنها.
ورغم ذلك كله، فإن لدى نتنياهو «ابتكاراته» الخاصة في إطار هذا المبدأ الثابت، وهذا الإجماع العام على هذه الإستراتيجية.
«ابتكارات» نتنياهو استندت إلى عدة قرارات خاطئة وواهمة.
تصوّر نتنياهو أن مجيء ترامب هو مؤشر على مرحلة تاريخية جديدة في الولايات المتحدة، وتوهم أن تحالفه داخل الولايات المتحدة قد أصبح في منطقة أمان إستراتيجي غير مسبوق.
فمن ناحية، الحزب الديمقراطي الأميركي هو حليفه الطبيعي في كل الأحوال بصرف النظر عن تباين هنا وتباين هناك، ومن ناحية أخرى فإن الحزب الجمهوري هو حليفه الخاص والمميز لأسباب أيديولوجية وأسباب تتعلق بالقناعات السياسية العميقة لديه.
وأسباب أُضيفت إلى ذلك كله وهي مجيء الترامبية التي سيلعب بها نتنياهو لاحقاً كل التلاعبات التي يرغب بها، وبذلك يضمن لنفسه أوسع هامش من المناورة استناداً إلى هذه القراءة.
وعندما استخدم نتنياهو مبدأ القوة لم يتمكن من قراءة أن استخدام القوة الغاشمة، بصرف النظر عن نتائج هذا الاستخدام، أوقعه في ورطة لم يتمكن من الخروج منها حتى الآن، وعلى الأرجح لن يتمكن أبداً لأنه لم يفهم حدودها.
والقراءة الثانية الواهمة والموهومة هي تلك التي تتعلق بالممر الهندي. وكما نعرف فقد وافق الاجتماع بموافقة الدول السبع كلها آنذاك، والدول المدعوة الكبرى أيضاً، على أن تصبح حيفا هي محطة الاتصال المباشر لكافة السلع والبضائع المتجهة إلى أوروبا، وبحيث تنتهي الخطوط البرية فيها بعد أن تعبر من الخليج وتمر من الأراضي المصرية والأردنية والفلسطينية وصولاً إلى حيفا، وتم رصد موازنات فلكية لهذا الهدف، وبما فاق أي موازنة سابقة في التاريخ كله، حتى بدت خطة مارشال الأميركية لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية خطة مقزّمة بالمقارنة مع موازنة هذا الممر.
عندما لاحظ نتنياهو عدم وجود معارضة عربية لهذا التوجه، بادر كما تذكرون للتجوال في العالم لتسويق دور دولة الاحتلال في هذه الخطة، وأمعن باستخدام الخرائط، بما في ذلك على منبر الأمم المتحدة، هذه الخرائط تشطب فلسطين كلياً من على الخارطة الجغرافية بل ويستحيل تحقيقها إلا بشطب فلسطين.
باختصار، أخطأ نتنياهو عندما ربط إستراتيجية السحق الأقصى بالقوة الغاشمة مع قراءة إمكانية تحقيق خطة الممر. هنا اطمأن نتنياهو إلى وضع عربي في طريقه إلى التطبيع الصاغر، واعتبر أن الإذعان القادم بات بحكم التحصيل الحاصل.
واستند نتنياهو في نفس هذه القراءة إلى إستراتيجية الولايات المتحدة القائمة فكرياً واقتصادياً على مبدأ العولمة الكلية، والقائمة على تدمير روسيا عبر جرها إلى الحرب الأوكرانية بعد التنكر لاتفاقية «مينسك» واستفزاز روسيا نحو الصدام مع الناتو.
وكذلك الأمر، استند نتنياهو في حينه أيضاً إلى أن العولمة الأميركية ذاهبة إلى محاصرة الصين بعد تدمير أو إشغال روسيا في الحرب سيراً على هدي الانسحاب تدريجياً من إقليم الشرق الأوسط والتوجه إلى آسيا كما كان قد عبّر عن ذلك الرئيس أوباما.
وهنا رأى نتنياهو فرصته الأولى والأخيرة، وهنا فكّر أنه سيكون الملك الجديد لها.
واستند نتنياهو في قراءته إلى وضع فلسطيني مهلهل، وإلى حالة انقسام غير مسبوقة، والى تخلٍّ عربي عن القضية الفلسطينية كما تثبت وقائع التطبيع.
ولعل أكبر خطايا نتنياهو بهذا الصدد كانت في التفصيل الفلسطيني عن رؤيته وفلسفته ومخططاته المحددة هنا.
اعتقد نتنياهو أن إستراتيجية حركة « حماس » التي تبقت لها بعد كل هذه السنين من حصار القطاع، وبعد تعرض القطاع لأربع حروب كبيرة، وبعد تخلي العرب عن فك الحصار عن القطاع، وبعد تراجع الدعم الأوروبي لفلسطين في ضوء انحيازها لأميركا، وانشغالها بالحرب على روسيا هي البحث عن البقاء في السلطة على القطاع. وأن من شأن ذلك فقط الإبقاء على الانقسام، وأن بقاء الانقسام منوط بتقليم أظافر الحركة من جهة، والإبقاء عليها متحكمة بالقطاع من جهة أخرى، ولهذا وافق بحماسة عالية على تمويل «حماس» بالمال القطري، واعتبر أن تهديدات الحركة فارغة والهدف منها تثبيت حكمها في القطاع، خصوصاً أن التقارير الاستخبارية الإسرائيلية آنذاك بدأت تتحدث عن ظروف معيشية صعبة، وعن بروز تيارات شعبية بدأت تُجاهر باحتجاجاتها على سياسات الحركة.
وهذا هو بالضبط ما يفسر تجاهل نتنياهو للتحذيرات التي نُقلت عبر شخصيات فلسطينية وعبر دولة الإمارات العربية، ومن المؤكد والثابت أن صمت المخابرات الأميركية عن واقعة التجاهل حتى الآن سببه أوامر عُليا تمنع المخابرات الأميركية من الإفصاح التام عن واقعة «لو أفاقوني» وواقعتَيّ التحذير الفلسطيني والإماراتي على حد سواء، إضافة إلى واقعة التحذير المصري التي لا يحتاج إلى أي إثبات.
اعتقد نتنياهو أن السابع من أكتوبر عملية صغيرة ومحدودة ليس من «الحكمة» التسرع بالرد عليها، واعتقد أن من شأن عدم التسرع أن يعطيه هامشاً للتقييم، وأن من شأن التسرع أن يفوّت عليه فرصة استخدام أقصى القوة.
بل وإن عدم التسرع كان مقصوداً، وربما كان مقصوداً أن يتم الأمر بعد عدة ساعات لكي يكبّر الأمر إذا كان صغيراً، وأن يشوه الأمر إذا كان خطيراً.
إذا جمعنا كل هذه الحقائق، وهذه الوقائع، ووضعناها في ارتباط جدلي مع القرارات التي أسلفناها، وربطنا ذلك كله بالانقلاب القضائي حين استبدل نتنياهو كل «خيول اليمين» بواحد مثل بن غفير، وبآخر مثل سموتريتش في سياق متدحرج ومدروس وعن سابق تخطيطي هادف، نُدرك أن مبدأ استخدام أقصى القوة واستخدام الإبادة بأكثر أشكالها عنفاً وعنجهية وتفاخراً، والإصرار على الذهاب إلى كل قوة غاشمة متاحة هو ابتكار خاص لنتنياهو، لأن كل القيادات الإسرائيلية ومنذ قيام ونشأة الدولة الصهيونية وحتى يومنا هذا كانت لديهم فرامل معينة، وكان لديهم بعض الحدود، وكان لديهم بعض الحسابات التي تقتضي بعض القيود.
نتنياهو كان مُبتكر سياسة القوة بأقصى درجة، وبأعنف ما يمكن، ودون حدود ودون قيود وكحرب على البقاء والوجود.
وبذلك يكون نتنياهو أول زعيم إسرائيلي يُخطط ويعد لتصفية القضية الفلسطينية من خلال نسف الحقوق، وإبادة السكان وتهجيرهم وملاحقة أي كيانية وطنية والإصرار على كل ذلك، مهما كلف الأمر في كامل مرحلة ما بعد النكبة .
في المقال القادم سنعالج الكيفية التي نقل بها دولة الاحتلال من الأوهام التلمودية السياسية إلى الإسبارطية الجديدة وخطته المهددة للدولة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
