لا أحد يختلف على حق الناس في أن تنتخب، ولا على أن الانتخابات ضرورة سياسية، في مجتمعنا يمكن أن تكون طريقاً لتجديد الشرعية وإعادة ترتيب العلاقة بين المواطن ومؤسساته. لكن الانتخابات ليست طقساً مقدساً منفصلاً عن حياة الناس، ولا صندوقاً نضع فيه أصواتنا ثم ننسى ما يحيط بنا من موت وخراب وحاجة.
وهنا، من غزة ، يحق لنا أن نسأل بصوت عالٍ، وبكل ما في السؤال من وجع:
ما الذي يحتاجه الناس الآن أكثر؟
صندوق اقتراع أم سقفاً آمناً فوق رؤوس أطفالهم؟
الموعد المعلن للانتخابات التشريعية هو 28 نوفمبر 2026، وما تزال لجنة الانتخابات تعلن استمرار استعداداتها في غزة والضفة، فيما بدأت مرحلة الترشح، تليها الدعاية الانتخابية وصولاً ليوم الاقتراع.
لكن ماذا لو تغيرت الظروف؟ ماذا لو تأجلت الانتخابات في اللحظة الأخيرة، كما حدث في تجارب فلسطينية سابقة؟ ماذا يبقى لنا من كل هذا الحراك التنظيمي، ومن الاجتماعات، والقوائم، واللافتات، والماكينات الانتخابية، ومهرجانات الدعاية؟
لا أريد أن أسبق الأحداث، ولا أن أقول إن الانتخابات ستتأجل، لكنني أريد أن أسأل: إذا كان احتمال التأجيل قائماً، فلماذا لا نعيد التفكير في معنى الأولوية؟
لماذا لا تتحول الأموال التي ستذهب إلى الدعاية الانتخابية، ولو جزئياً، إلى شيء أكثر إلحاحاً في غزة؟
إلى بيت خشبي.
إلى غرفة من الزينكو.
إلى سقف مؤقت.
إلى جدار يمنع المطر والبرد والخوف والقوارض.
إلى مساحة آمنة تنام فيها عائلة دون أن تستيقظ على صوت حجر يسقط من سقف متصدع.
نحن لا نتحدث عن رفاهية، نتحدث عن حق الإنسان في أن ينام دون أن يخاف من سقوط ما تبقى من بيته.
هناك أطفال في غزة لا يعرفون إن كان البيت الذي ينامون فيه سيظل واقفاً حتى الصباح. هناك عائلات تعيش بين جدران أكلتها الحرب، وبين ركام لم يعد يعرف إن كان بيتاً أم مقبرة مؤجلة.
فماذا نقول لهم كمرشحين لانتخابات تشريعية؟
هل نقول لهم: انتظروا الانتخابات؟
أي انتخابات تلك التي نريدها إذا كان الإنسان نفسه غير قادر على حماية جسده من سقوط جدار؟
وأي مجلس تشريعي نريده إذا كان المواطن لا يزال يبحث عن مكان آمن يضع فيه أطفاله؟
أنا لا أقلل من قيمة السياسة الفلسطينية، ولا من قيمة المؤسسات التشريعية، ولا من حق الفلسطيني في أن يختار ممثليه.
لكنني أعتقد أن السياسة التي لا ترى الإنسان تتحول إلى شكل بلا روح.
غزة اليوم لا تحتاج فقط إلى من يمثلها في مجلس تشريعي، تحتاج أولاً إلى من يرى وجعها.
تحتاج إلى من يرى البيت الذي لم يعد بيتاً.
إلى من يرى الأم التي تضع أطفالها في زاوية بعيدة عن الجدار خوفاً من سقوطه.
إلى من يرى الأب الذي لا يملك ثمن إصلاح نافذة، أو باب، أو سقف.
إلى من يرى طفلاً يلعب بجوار أنقاض بيت، ولا يعرف أن قطعة إسمنت صغيرة يمكن أن تكون آخر ما يراه في حياته.
هل يسمعنا أحد؟
يا أحزابنا وتنظيماتنا وفصائلنا الفلسطينية...
قبل أن تسألوا الناس: لمن ستصوتون؟
اسألوهم: كيف تعيشون؟
قبل أن ترفعوا صور المرشحين، ارفعوا شيئاً عن كاهل الناس.
قبل أن تنفقوا على اللافتات، انظروا إلى الأسقف المهددة بالسقوط.
وقبل أن تبدأوا معركة الأصوات، تعالوا نخوض معاً معركة الحياة.
ثم هناك سؤال أكبر، وربما أكثر قسوة:
لمن ستقام الانتخابات في غزة إذا كانت غزة نفسها ما تزال تعيش واقعاً استثنائياً ومعقداً، وتخضع ترتيبات إدارتها وسلطة القرار فيها لظروف تتجاوز قدرة المجلس التشريعي وحده؟
وما الفائدة من مجلس تشريعي إذا كانت صلاحياته محدودة أو معطلة، أو إذا كان الواقع على الأرض أكبر من النصوص التي يحملها القانون؟
هذه ليست دعوة إلى إلغاء الانتخابات، إنها دعوة إلى أن نسأل عن المعنى.
فالانتخابات ليست مجرد يوم نضع فيه ورقة داخل صندوق. الانتخابات وسيلة لبناء حياة سياسية ومؤسسات قادرة على خدمة الناس وحماية حقوقهم.
وإذا كان الإنسان مهدداً في بيته، جائعاً، نازحاً، أو يعيش فوق ركام منزله، فإن السؤال عن معنى الانتخابات يصبح سؤالاً مشروعاً لا يجوز تخوين صاحبه.
نحن في غزة لا نحتاج إلى ديمقراطية في الصور فقط.
نحتاج إلى ديمقراطية تشعر بألم الناس.
ديمقراطية تعرف أن أول حق للمواطن ليس أن يحمل بطاقة انتخابية فقط، بل أن يكون حياً وآمناً وكريماً حتى يصل إلى صندوق الاقتراع.
لا أريد أن أرى ملايين تُنفق على صورة مرشح، بينما عائلة لا تجد ألواحاً تحمي أطفالها من المطر.
لا أريد أن أرى الشوارع مغطاة بصور القوائم، بينما أطفال غزة ينامون تحت أسقف تخاف أن تنهار.
ولا أريد أن تتحول الانتخابات إلى موسم آخر من المواسم التي نتحدث فيها عن المستقبل، بينما يظل حاضر الناس عالقاً تحت الركام.
غزة أولى.
أولاً أن يبقى الإنسان حياً.
ثم أن يكون آمناً.
ثم أن يجد مكاناً يحمي فيه أطفاله.
ثم أن يستعيد بيته وكرامته وقدرته على العمل والحياة.
وبعد ذلك، أو بالتوازي معه، يأتي الصندوق.
لأن الصندوق في النهاية ليس هو الغاية.
الإنسان هو الغاية.
فيا من تستعدون للانتخابات...
لا تسألوا غزة فقط: من ستنتخبين؟
اسألوها أولًا: أين ستنامين الليلة؟
وربما يكون جواب غزة هو الرسالة التي ينبغي أن يسمعها الجميع:
لا أريد منكم الآن صورة على جدار...
أريد جداراً لا يسقط فوق أطفالي.
ولا أريد مهرجاناً انتخابياً.
أريد مكاناً آمناً أعود إليه عندما ينتهي المهرجان.
هذه ليست معركة ضد الانتخابات.
هذه صرخة من أجل أن تكون الانتخابات، حين تأتي، انتخابات لأناس ما زالوا يملكون حياةً تستحق أن تُدار، وحقوقاً تستحق أن تُصان، ومستقبلاً يستحق أن يُنتخب.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
