تدخل الانتخابات الإسرائيلية مراحلها الأخيرة، ولم يعد يفصل الإسرائيليين عن صناديق الاقتراع سوى نحو ثلاثة أسابيع ونصف، فيما لا تزال الخريطة السياسية والحزبية عاجزة عن إنتاج أغلبية واضحة لأي من المعسكرين. تتنقل استطلاعات الرأي بين تعادل الكتل وتقدم محدود لكتلة نتنياهو أو خصومه، من دون أن يظهر حتى الآن مسار واضح إلى أغلبية الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة.

لكن هذه الأرقام لا تحسم الانتخابات ولا تسمح بالتنبؤ بنتيجتها. ما تكشفه هو طبيعة المعركة: السؤال ليس فقط من سيحصل على مقاعد أكثر، وإنما من يستطيع بعد الانتخابات تحويل هذه الأرقام إلى ائتلاف حكومي.

تتركز الحملة الانتخابية حالياً على قضيتين أساسيتين: مسؤولية رئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن الإخفاق الذي سبق هجوم 7 أكتوبر، ومستقبل التمثيل العربي في الكنيست والحكومة. تحاول كتلة التغيير إبقاء إخفاق 7 أكتوبر ومسؤولية نتنياهو في مركز النقاش، بينما يستخدم نتنياهو مسألة اعتماد خصومه المحتمل على الأحزاب العربية لتشكيل حكومة في مواجهته.

لكن خلف هذه المعركة الانتخابية توجد قضية أكبر تكاد تغيب عن الخطاب الانتخابي: الحرب المستمرة منذ ثلاثة أعوام.

هناك حرب مستمرة على جبهات عدة، من غزة إلى لبنان وسوريا، فيما بات الاستنزاف العسكري والاقتصادي والاجتماعي جزءاً من الحياة الإسرائيلية اليومية. ومع ذلك، يبدو أن هذا الواقع أصبح أمراً طبيعياً في الخطاب السياسي والانتخابي، في ظل الإجماع القومي الصهيوني الذي تشكل خلال الحرب وما زال قائماً. لا يتحدث المرشحون عن إنهاء الحرب في المستقبل المنظور، بل يواصلون ترديد شعارات مثل "القضاء على حماس "، وهي العبارة التي تصدرت حملات انتخابية سابقة، بينما تواصل دولة الاحتلال عملياتها العسكرية على أكثر من جبهة، من دون أن يتحول استمرار الحرب إلى قضية مركزية في المنافسة الانتخابية.

نتنياهو لا يدخل الانتخابات فقط للدفاع عن نفسه أمام مسؤولية 7 أكتوبر، بل يستطيع أن يقدم السنوات الثلاث الماضية باعتبارها سنوات خبرة أمنية ومواجهة لإيران وحماس وحزب الله، ومحاولة لحماية إسرائيل من تهديدات متعددة.

وبذلك يحاول نقل مركز النقاش من سؤال المسؤولية عن الماضي إلى سؤال الأمن في المستقبل: من يستطيع إدارة إسرائيل في مواجهة هذه التهديدات؟

ويكتسب خطاب نتنياهو عن التهديدات الأمنية أهمية سياسية وانتخابية في هذه المرحلة، خصوصاً بعد تصريحاته من قاعدة نوف الجوية، التي أثارت جدلاً واسعاً في صفوف المعارضة، وتلويحه بوجود مؤشرات على هجوم محتمل على إسرائيل قبيل الانتخابات. كما حاول استثمار حادثة طائرة "فلاي دبي" في الدعاية الانتخابية وتقديمها ضمن سياق أمني أوسع، بما يساعده على إبقاء الأمن والتهديدات الخارجية في صدارة جدول الأعمال، وإبعاد النقاش عن مسؤولية حكومته عن الإخفاقات السابقة.

في المقابل، تظل اللاءات الثلاث المرتبطة بموقفه من 7 أكتوبر حاضرة: لا للاستقالة، ولا لتحمل المسؤولية، ولا للجنة تحقيق رسمية. وبينما غادر معظم المسؤولين الأمنيين الذين تحملوا مسؤولية الإخفاق مواقعهم، بقي نتنياهو في منصبه، ويخوض الانتخابات من موقع سياسي مختلف عن موقعه في السنوات الأولى للحرب.

الحرب والاحتلال خارج النقاش الانتخابي، لا تقتصر الحرب على غزة. فالضفة الغربية، وفق قراءة إسرائيلية للواقع الأمني عشية الانتخابات، ما زالت جبهة رئيسية، حيث ينتشر جزء كبير من القوة البرية النظامية للجيش الإسرائيلي.

وتبدو مهام الجيش هناك متناقضة: منع اندلاع انتفاضة ثالثة، وفي الوقت نفسه حماية المستوطنات والبؤر الاستيطانية، في واقع يتواصل فيه الاستيلاء على الأراضي وتوسيع المستوطنات وتصاعد إرهاب المستوطنين ضد الفلسطينيين.

نتنياهو ماض في هذه السياسة. أما غادي أيزنكوت، الذي وصف عنف الميليشيات اليهودية المتطرفة في الضفة الغربية بأنه "إرهاب إجرامي"، فيعارض في الوقت نفسه إقامة دولة فلسطينية. وهذا يكشف أن الخلاف داخل المعسكر المنافس لنتنياهو لا يتعلق فقط بتغيير الحكومة، بل أيضاً بحدود التغيير في السياسة تجاه الفلسطينيين والضفة الغربية والاستيطان.

ومن هنا، فإن الحرب والاحتلال ليسا ملفين منفصلين عن الانتخابات، بل جزء من الأسئلة التي سيضطر أي ائتلاف مقبل إلى التعامل معها.

المعارضة عالقة داخل أجندة نتنياهو، وهي تواجه سؤالاً أصعب. فقد أمضت فترة طويلة في التركيز على مسؤولية نتنياهو وإخفاق 7 أكتوبر وضرورة استبداله. وهذه القضايا ستبقى مهمة بالنسبة لها، لكنها لا تكفي وحدها مع اقتراب يوم الاقتراع.

فأحزاب غادي أيزنكوت، نفتالي بينيت، يائير غولان وأفيغدور ليبرمان وقعت اتفاقات فائض أصوات، وتعهد قادة المعسكر بعدم مهاجمة بعضهم بعضاً والعمل معاً على تشكيل الحكومة المقبلة. لكن التنسيق الانتخابي لا يعني بالضرورة وجود برنامج سياسي موحد.

فالوثيقة التي تتحدث عن "حكومة تغيير" لا تلغي الخلافات بينهم حول شكل الحكومة ومن يقودها، ولا حول العلاقة مع الأحزاب العربية، ولا حول الحرب وغزة والضفة الغربية والاستيطان. وفي ظل هذه الأجندة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كان تغيير نتنياهو هو نقطة الاتفاق بين هذه القوى، فما الذي سيأتي بعده؟

كيف ستتعامل الحكومة المقبلة مع غزة؟ هل ستنهي الحرب أم تستمر في أهدافها الحالية بصيغ مختلفة؟ ماذا ستفعل بشأن إيران وحزب الله؟ كيف ستتعامل مع الجيش بعد ثلاث سنوات من الحرب والاستنزاف؟ وما سياستها تجاه الفلسطينيين والضفة الغربية والاستيطان؟ وماذا ستفعل بشأن تجنيد الحريديين، والاقتصاد، وارتفاع كلفة المعيشة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية في ظل الضغوط الدولية المتزايدة على إسرائيل بسبب الاستيطان وعنف المستوطنين في الضفة الغربية. فالواقع في الضفة يختلف عن غزة في نقطة أساسية: لا تستطيع إسرائيل تقديم هجوم 7 أكتوبر باعتباره تفسيراً لكل ما تفعله هناك، ولذلك أصبح الاستيطان وعنف المستوطنين أكثر عرضة للضغوط والعقوبات الدولية.

وفي الداخل أيضاً، ستدفع إسرائيل ثمن الحرب، سواء من خلال تمويل النفقات الأمنية، أو استمرار الفجوات في عبء الخدمة العسكرية، وما يترتب عليها من خسائر وإصابات واستنزاف اجتماعي واقتصادي.

وفي هذا السياق، أدخل نتنياهو المعارضة في مستنقع حدد مساحته وعمقه. فهي ما زالت تتحرك داخل الأجندة التي فرضها: مسؤولية 7 أكتوبر، والأمن، ومن يستطيع إدارة الحرب ومواجهة التهديدات. لكن عليها خلال فترة الدعاية الانتخابية أن تخرج من هذا المستنقع، وأن تجيب عن الأسئلة التي تنتظرها إذا وصلت إلى الحكم.

في ظل الانقسام الداخلي الإسرائيلي وتقارب حجم المعسكرين، ومن خلال قراءتي للخارطة الحزبية والسياسية الإسرائيلية، لن تستطيع المعارضة أن تجعل شعار "حكومة تغيير" بديلاً عن برنامج سياسي واضح. ويبدو أنها لن تجاري نتنياهو في أجندته، وسيكون عليها أن تحدد، قبل تشكيل الحكومة لا بعدها، كيف ستتعامل مع الحرب وغزة والضفة الغربية والاستيطان، وعلاقة إسرائيل بالفلسطينيين، إلى جانب الملفات الداخلية.

والسؤال الأهم هو: هل يعني هذا التغيير تغيير رئيس الحكومة فقط، أم تغييراً في السياسات التي أوصلت إسرائيل إلى هذا الواقع؟

التعادل في استطلاعات الرأي لا يعني أن المعركة حُسمت، ولا يعني أن أي معسكر يملك طريقاً مضموناً إلى الحكم. لكنه يكشف أن الأسابيع الأخيرة ستدور حول سؤال أكبر من الفارق بين 52 و54 مقعداً: أي مستقبل تريده دولة الاحتلال بعد ثلاثة أعوام من الحرب، وما الذي ستفعله الحكومة المقبلة لإنهاء هذا الواقع أو الاستمرار فيه؟

حتى الآن، يملك نتنياهو رواية جاهزة عن السنوات الثلاث الماضية، قوامها الأمن والخبرة ومواجهة أعداء إسرائيل. أما خصومه، فما زال عليهم أن يكملوا روايتهم: ليس فقط لماذا يجب أن يتغير الحكم، وإنما ماذا سيفعلون عندما يحكمون، وما إذا كان هذا التغيير سيشمل الحرب وسياسات الاحتلال والاستيطان، أم سيقتصر على تغيير الحكومة ورئيسها.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد