حين يتكدس أكثر من سبعين طالباً وطالبة داخل غرفة دراسية واحدة، متراصين على مقاعد متهالكة أو مفترشين أرضية خيمة باردة تلاعبها الرياح العاتية، فإننا لسنا بصدد عملية تعليمية تحكمها معايير التربية وأصول التدريس، بل نشهد فصلاً جديداً من المشاهد الاستعراضية التي تحاول عبثاً إخفاء أزمة هيكلية عميقة جرفت مقومات الحياة، فبعد أعوام دراسية متتالية حُرم خلالها نحو 700 ألف طفل في قطاع غزة ، ممن تتراوح أعمارهم بين الخامسة والسابعة عشرة عاماً، من حقهم في التعليم النظامي جراء الدمار الهائل الذي لحق بالبنى المدرسية، تطل علينا محاولات خجولة ومتواضعة لترميم بعض المدارس جزئياً أو نصب خيام مهشمة تحت شعار براق يدعي عودة التعليم وتعافية، غير أن هذه المبادرات ترتطم بعجز صارخ وفاضح في تحويل قشور الشكل إلى جوهر حقيقي يكفل حماية مستقبل الأجيال القادمة.
إن مجرد الحديث عن انتظام الدراسة في ظل هذه القسوة يصطدم بصخرة الواقع المظلم، فكيف لعقل طفل أن يتلقى معرفة أو يستوعب درساً في حيز ضيق يحشر سبعين طالب في قاعة واحدة، لا سيما طلبة الثانوية العامة الذين يرزحون تحت وطأة مصير مجهول يهدد طموحاتهم؟ وكيف لمعلم مثقل بهموم النزوح وقهر العيش أن يقدم رعاية تربوية أو تفاعلاً حقيقياً وسط صخب وضوضاء تفقد الفصل أي مقوم من مقومات الأمان والهدوء؟ إن هذه الفصول المكدسة، أو الخيام البدائية التي تفتقر للإنارة والتهوية الجيدة وتتأرجح بلا رحمة بين لهيب الصيف وصقيع الشتاء، لا تعدو أن تكون امتداداً لمعاناة الطلبة النفسية والجسدية، ومساحة قهر جديدة بدلاً من أن تمثل الملاذ الآمن والدافئ لاكتساب المعرفة. ومن هنا تتكشف الأبعاد الأخلاقية والإعلامية الخطيرة؛ إذ تُختزل مبادرات إعادة فتح المدارس في تقارير إعلامية وردية تروج لصور خادعة عن انتظام الحياة، بينما الواقع يؤكد أن الجوهر التعليمي يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الاكتظاظ وانعدام أبسط مقومات البنية التحتية السليمة.
في مواجهة هذا العبث اللوجستي والقصور الإداري الفادح على الصعيدين الدولي والمحلي، يسطع المشهد الأكثر نقاءً وبسالةً والمتمثل في تمسك الأسر والطلبة القاطع بالتعليم باعتباره حصناً أخلاقياً ودرعاً وطنياً لا يلين؛ فالطالب الذي يشق طريقه وسط أنقاض الخيام حاملاً كراسته الممزقة، وتلك الأم التي تقاوم قسوة النزوح وشح الموارد لتصنع من الخيمة فصلاً دراسياً لأبنائها، إنما يتجاوزون حدود الممارسات المدرسية التقليدية ليخوضوا ملحمة حية من الصمود، ومقاومة باسلة للجهل ومساعي ضياع المستقبل، وهذا الإصرار الفطري والنابع من عمق الوعي الشعبي هو وحده ما يعوض عجز المنظومة وتراخي المؤسسات، وهو البرهان الساطع على أن المجتمع الفلسطيني يدرك بالفطرة أن المعرفة ليست مجرد تحصيل أكاديمي، بل هي سلاحه الاستراتيجي الأبدي للبقاء والوجود.
إن التخريب الممنهج الذي طال قطاع التعليم في غزة يتجاوز بكثير كونها أزمة عابرة يُمكن تطويقها بترميم بعض الجدران المتصدعة أو توزيع دفاتر مقيدة على أطفال يعانون القهر؛ بل هو هدمٌ جذري يستهدف ركيزة الوجود الأساسية ومستقبل المجتمع الفلسطيني بأكمله، فحين يتسع الفاقد التعليمي وتتراكم سنوات التوقف عن مقاعد الدراسة، تتسع معها فجوات معرفية عميقة ومنهكة تلتهم مهارات الجيل الصاعد وقدرته الإنتاجية، وتدفعه قسراً نحو دائرة مظلمة من الجهل والبطالة والهشاشة الاجتماعية التي ستلقي بظلالها الثقيلة لعقود طويلة قادمة، وإن ضياع المدارس هو في حقيقته تبديد لعقول المستقبل، وتدمير الجامعات وقاعات الدرس هو استهداف مباشر لجذور النهضة والبناء ومفاتيح الصمود؛ وفي عصر بات فيه العالم متمسكاً بالثورة الرقمية والتعليم الافتراضي والمنصات الذكية، تظل غزة تقاسي جراحات الحرب وتداعياتها القاسية، حيث تصطدم تلك التقنيات بجدار الدمار وانعدام أدنى مقومات الحياة والكهرباء والاتصالات، لتصبح خيارات التعلم الإلكتروني رفاهية منقطعة النصل، وغائبة عن أغلب الأسر المهجرة والنازحة التي تفتقر لأبسط مقومات البقاء الإنساني.
ولأن قضية حماية التعليم في غزة أرفع من أن تبقى رهينة للحلول الترقيعية والمشاهد الاستعراضية العابرة التي لا تعدو كونها محاولات لرفع العتب، بل هي أمانة تاريخية وأخلاقية ملقاة على عاتق المؤسسات الفلسطينية بكافة قطاعاتها، والمجتمع الدولي، والمنظمات الأممية؛ فإن الخروج من هذا النفق المظلم ومعالجة أزماتنا الراهنة يستوجب بناء منظومة حلول عملية ومتكاملة، وتبدأ هذه المنظومة باعتماد نظام التعليم المدمج والمرن لتخفيف طوفان الاكتظاظ عبر الدوام التناوبي واستثمار ما توفر من أدوات رقمية، يوازيها إطلاق صندوق وطني ودولي عاجل لصون كرامة معلمي غزة وتوفير الحوافز المعيشية وبرامج الدعم النفسي المكثفة لهم، كما تتسع دائرة الحلول لتتجاوز جدران المدارس المدمرة نحو استثمار المؤسسات الأهلية والمساجد الآمنة والنوادي المجتمعية كمراكز تعلم مصغرة ومشتتة للكثافة، ولجسر هوة الفاقد التعليمي، تبرز الحاجة الملحة لتصميم مناهج مكثفة وموجزة ترتكز على المهارات الأساسية بعيداً عن أية ضغوط نفسية مدمرة، إلى جانب تشكيل خلية أزمة أممية وفلسطينية ضاغطة لتوفير خيام ذات عزل حراري آمن، وحماية مسار امتحانات الثانوية العامة بآليات منتظمة تضمن عدم ضياع المستقبل الأكاديمي للطلبة، والعمل على تقديم الدعم النفسي والاجتماعي بشكل متوازي مع العملية التعلمية...
إن الغاية المنشودة اليوم تتجاوز بكثير مجرد الإعلان الشكلي عن فتح الأبواب؛ فنحن أمام استحقاق وطني وأخلاقي عاجل يقضي بالانتقال الفوري من بحر الاستعراض الإعلامي إلى ضفة الإنقاذ الجذري، وتوفير بيئة تعليمية آمنة تصون آدمية أطفال غزة وتكفل لهم حقهم الأصيل في الحياة والتعلم، وإن إنقاذ مقاعد الدراسة اليوم ليس مجرد مهمة تربوية عابرة، و استعراض شكلي، أو دعاية انتخابية، بل هو معركة بقاء واستعادة لوعي الأجيال، فمن يفرط في تعليم أطفال غزة، إنما يفرط في عمودها الفقري ومستقبل قضيتها برمتها؛ ووحده التحرك الجاد والمسؤول من كافة الأطراف هو الكفيل بأن يصنع من بين ركام الخيام منارة تبدد عتمة المستحيل.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
