تناولت عدة مقالات في الصحف الإسرائيلية قرار إقصاء القوائم العربية وسامي أبو شحادة، وركز بعضها على المعايير القانونية الصارمة التي وضعتها المحكمة العليا لشطب المرشحين والقوائم من انتخابات الكنيست ، وعلى أن حالة أبو شحادة لا تستوفي، وفق هذا الرأي، هذه المعايير، لغياب التكرار و"الكتلة الحرجة" من الأدلة التي تثبت أن دعم الكفاح المسلح يمثل هدفاً مركزياً له أو لقائمته.

لكن أهمية ما جرى لا تتوقف عند السؤال القانوني: هل استوفى أبو شحادة شروط الشطب أم لا؟ السؤال الأوسع هو: ماذا يقول هذا المشهد عن طبيعة الديمقراطية الإسرائيلية وحدودها عندما يتعلق الأمر بالمواطنين العرب وتمثيلهم السياسي؟

في لجنة الانتخابات المركزية، يبدو المشهد وكأنه فصل جديد من الديمقراطية الإسرائيلية: قوائم عربية ومرشحون عرب أمام طلبات متكررة للشطب، وفي أجواء سياسية يمينية وعنصرية ومشحونة. وقد قررت اللجنة بالفعل شطب القائمة المشتركة، والقائمة العربية الموحدة، وسامي أبو شحادة، وعوفر كسيف، فيما تبقى الكلمة النهائية للمحكمة العليا.

هنا يصعب الاكتفاء بالقول إن إسرائيل دولة ديمقراطية، ثم التعامل مع ما يحدث باعتباره مجرد خلاف قانوني عابر داخل مؤسساتها، من دون النظر إلى سياق تاريخي وسياسي طويل من التمييز ذي الأساس العنصري ضد المواطنين العرب، وإلى قوانين وسياسات كرّست، على مدى عقود، تقييد حقوقهم ومكانتهم السياسية والمدنية. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود الانتخابات وصناديق الاقتراع والمحكمة العليا، وإنما أيضاً بمدى قدرة المواطنين، بمن فيهم الأقلية، على اختيار ممثليهم والمشاركة في المجال السياسي على قدم المساواة.

وهذا تحديداً ما يجعل إقصاء القوائم والمرشحين العرب أكثر من مجرد مسألة إجرائية أو خلاف قانوني حول شروط الترشح. فالمسألة تمس حق المواطنين العرب في التمثيل السياسي والمشاركة في الانتخابات من خلال القوى التي يختارونها، وتطرح سؤالاً أوسع حول حدود هذا الحق عندما يتحول الإقصاء إلى مسار متكرر. وقد قال مركز "عدالة" إن قرارات الشطب تفتقر إلى الأساس القانوني المطلوب، وإنها تمس التمثيل السياسي للمواطنين العرب.

وتزداد المسألة حساسية في حالة نوعام سولبرغ، نائب رئيس المحكمة العليا ورئيس لجنة الانتخابات. فقد شارك في التصويت لصالح شطب أبو شحادة، في خطوة خالف فيها تقليداً اتبعه رؤساء اللجنة السابقون لعقود بالامتناع عن التصويت في طلبات الشطب حفاظاً على حياد موقعهم. وقد أيد القرار 31 عضواً مقابل أربعة، وكان سولبرغ بينهم.

المشكلة هنا ليست فقط في موقف سولبرغ من أبو شحادة، وإنما في تداخل الأدوار والانطباع عن الحياد المؤسسي: فسولبرغ، بصفته نائب رئيس المحكمة العليا ورئيس لجنة الانتخابات في الوقت نفسه، يشارك في قرار سيصل لاحقاً إلى المحكمة العليا للطعن فيه. ولذلك فإن مشاركته في التصويت لصالح شطب أبو شحادة تثير سؤالاً مشروعاً حول الفصل بين دوره القضائي ودوره كرئيس للجنة الانتخابية. كما أن موقع سولبرغ القيادي في المحكمة العليا قد يثير تساؤلاً إضافياً حول احتمال تأثير موقفه على نظر القضاة في الطعن على القرار.

والسؤال الأهم: أين تبدأ الديمقراطية وأين تنتهي؟ فحرية الانتخاب والترشح هي نقطة الانطلاق، والإقصاء يفترض أن يكون استثناءً ضيقاً لا أداة سياسية متكررة. لكن النقاش القانوني حول أبو شحادة يتغافل، في كثير من الأحيان، عن البيئة السياسية التي تجري فيها هذه العملية.

فالمسألة لم تتوقف عند أبو شحادة. اللجنة شطبت أيضاً القائمة المشتركة، والقائمة الموحدة، وعوفر كسيف، فيما قُدمت طلبات أخرى ضد قوى عربية. وفي حالة القائمة المشتركة صوت 18 عضواً لصالح الشطب مقابل خمسة، بينما حصل طلب شطب أبو شحادة على 31 صوتاً مقابل أربعة.

هذا التكرار يستحق قراءة سياسية، وليس قانونية فقط. فعندما تصبح القوائم التي تمثل المواطنين العرب، مرة بعد أخرى، موضوعاً لطلبات الإقصاء، فإن المسألة تتجاوز الشخص أو التصريح إلى مكانة التمثيل العربي نفسه داخل النظام السياسي. وقد وصف «عدالة» العملية بأنها تستهدف التمثيل السياسي الفلسطيني في الكنيست.

وهنا تكمن المفارقة في خطاب ما تبقى من اليسار الصهيوني: يمكن لكتاب إسرائيليين أن يدافعوا عن أبو شحادة قانونياً، وأن يقولوا إن تصريحاً واحداً لا يكفي لشطبه، لكن النقاش يبقى في حدود السؤال: كيف نحافظ على الديمقراطية الإسرائيلية؟ وفي الوقت نفسه، يصوّت يائير غولان، الذي يقدّم نفسه ضمن معسكر اليسار الصهيوني، لصالح شطب أبو شحادة. هنا تبرز المفارقة بصورة أوضح: كيف يمكن الدفاع عن الديمقراطية، من دون الذهاب إلى السؤال الأعمق: أي ديمقراطية هذه إذا كان التمثيل العربي نفسه يتحول باستمرار إلى قضية أمنية أو تهديد محتمل يجب فحصه وإقصاؤه؟

العنصرية لا تظهر فقط في التصريحات الصريحة؛ يمكن أن تظهر أيضاً في بنية سياسية تجعل المواطن العربي مطالباً باستمرار بإثبات أهليته للمشاركة، بينما يُفترض أن حق المواطن اليهودي في التمثيل السياسي أمر طبيعي لا يحتاج إلى هذا القدر من الاختبار.

وهذه ليست مشكلة يمكن اختزالها في "اليمين المتطرف" وحده. فاليمين هو القوة الأكثر وضوحاً في الدفع نحو الإقصاء، لكن السؤال الأعمق يتعلق بالحدود التي يرسمها النظام السياسي الإسرائيلي لما هو مشروع ومقبول عندما يتعلق الأمر بالعرب.

وإذا كان المبدأ القانوني الذي يستند إليه كثير من منتقدي شطب أبو شحادة هو أن الإقصاء لا يجوز أن يقوم على تصريح منفرد، وأنه يحتاج إلى أدلة متكررة و«كتلة حرجة»، فإن السؤال المنطقي هو: هل تُطبّق هذه المعايير نفسها على الجميع؟

وهنا يصبح ملف عوتسما يهوديت وإيتمار بن غفير جزءاً أساسياً من النقاش: ليس فقط من أجل المطالبة بشطب هذه القائمة، وإنما لاختبار مدى اتساق المعايير التي يجري الحديث عنها، ومن يحدد حدود المقبول سياسياً ومن يُطلب منه باستمرار إثبات أهليته للمشاركة.

لذلك، فإن السؤال الذي تفرضه هذه الانتخابات ليس فقط: هل ستؤيد المحكمة العليا شطب أبو شحادة أم تلغيه؟ بل: هل تستطيع إسرائيل أن تتحدث عن الديمقراطية في ظل سياسات يمينية وعنصرية، من دون أن تواجه السؤال المتعلق بمكانة المواطنين العرب وحقهم في التمثيل السياسي؟

في لجنة الانتخابات، بدا المشهد صاخباً منذ البداية، وكاشفاً عن طبيعة المناخ السياسي الذي تجري فيه الانتخابات. ومع ذلك، قُدّم المشهد وكأنه فصل جديد من الديمقراطية الإسرائيلية: قوائم عربية ومرشحون عرب أمام محاولات الشطب، وأجواء سياسية يمينية ومشحونة، وكأن المشكلة ليست في الانتخابات، بل في وجود العرب فيها.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد