من يبحث عن مؤشرات حقيقية، للتحول الجاري في النظام العالمي سيجد الكثير من الوقائع التي تندرج في سياق تطور تاريخي، ولكن ربما ما تشهده الأمم المتحدة، يشكل واحداً من أبرز المؤشرات التي تشهد نهايات حقبة امتدت واحداً وثمانين عاماً.

ثمة طغيان للهيمنة الأميركية على مؤسسات الأمم المتحدة، وآليات عملها وعلى قدرتها على تحقيق الأهداف التي أنشئت لتحقيقها وهي حماية الأمن والسلام الدوليين، وتأمين سياق دولي إجماعي يضمن تطور الشعوب. هذه المنظمة المحترمة، جاءت كمحصلة لحربين عالميتين مدمرتين حصدتا أرواح مئات ملايين البشر، ولترسي قواعد قانونية وقيمية لا تسمح بتعريض البشرية لمزيد من الحروب.

مرت المنظمة بثلاث مراحل، الأولى حظيت الولايات المتحدة خلالها، ولفترة ليست طويلة بأرجحية التأثير في قرارات ودور المؤسسات الدولية، وخلالها حصلت فيتنام على استقلالها بعد حرب مدمرة شنتها الولايات المتحدة. وحصلت الجزائر على استقلالها أيضاً بعد مئة وثلاثين عاماً من الاحتلال الفرنسي، المرحلة الثانية ولم يطل ظهورها هي مرحلة الحرب الباردة ثنائية القطبية بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.

العالم شهد قدراً من التوازن والردع المتبادل الذي حقق له استقراراً نسبياً لم يخل من توترات، لم تصل إلى حد إشعال حروب كبيرة، انتهى هذا العهد العام ١٩٨٩، حين تفكك الاتحاد السوفياتي وشكل ذلك سبباً ودافعاً للولايات المتحدة، لتشن حرب الخليج الأولى، وقيادة تحالف دولي انضمت إليه ثلاثون دولة.

من الكويت أعلن الرئيس جورج بوش الأب، العام ١٩٩١ ولادة النظام العالمي الجديد بزعامة الولايات المتحدة منفردة.

خلال الفترة التي تلت ذلك، انفردت الولايات المتحدة تقريباً بالتأثير على قرارات المؤسسات الدولية والأدوار الرئيسة للأمم المتحدة إلى أن بدأت ملامح تغير النظام الدولي أحادي القطبية، وظهور نظام متعدد الأقطاب، وترافق ذلك مع صعود الصين، واستعادة روسيا لبعض قوتها، فضلاً عن ظهور أقطاب أخرى مثل الهند والبرازيل.

خلال فترة النظام العالمي الذي تسيدت عليه الولايات المتحدة، وقعت حربان كبيرتان مدمرتان على أفغانستان والعراق، وأيضاً عبر تحالف دولي، لكن النتيجة بعد نحو عشرين عاماً جاءت خسارة فادحة لمن شنوا الحرب، تكبدت خلالها الولايات المتحدة خسائر انعكست على الاقتصاد الأميركي.

الأمم المتحدة عجزت عن منع وقوع تلك الحروب، وعجزت حتى عن منع الولايات المتحدة من استصدار قرار يسمح لها بالبدء في اتخاذ إجراءات عقابية متدرجة ضد إيران بدعوى منعها من امتلاك برنامج نووي عسكري.

أما وصول ترامب للبيت الأبيض، فلم يكن حدثاً عرضياً، في سياق التحولات الدولية، وأيضاً في سياق تطور الوضع الداخلي الأميركي.

إذا كان ثمة اختلال في الأساليب بين الديمقراطيين والجمهوريين فإن كليهما جزء من السياق ذاته، الذي يشير إلى أن الولايات المتحدة تتجه نحو ضعف تأثيرها على الأمم المتحدة، بعد أن تمادت الولايات المتحدة في محاولة الحفاظ على هيمنتها وسيطرتها على النظام الدولي وأذرعه ومؤسساته.

اعتقد ترامب أن بإمكانه أن يجعل أميركا عظيمة مجدداً فذهب نحو هدم المؤسسات التي تعترض طريقه، وأهمها الأمم المتحدة، وتأسيس هياكل جديدة تضمن بقاء الهيمنة الأميركية.

انسحب ترامب من الاتفاق مع إيران خلال فترته الأولى، وقدم للشرق الأوسط ما سميت صفقة القرن ، وفي مرحلته الثانية كان ورث عن مرحلة بايدن الحرب في أوكرانيا، ثم انسحب من منظمة الصحة العالمية، واليونسكو، ومنظمة حقوق الإنسان، وسحب الدعم الأميركي للأونروا، وقلص مساهمة الولايات المتحدة في موازنة الأمم المتحدة.

هنا دخلت الأمم المتحدة في مرحلة متقدمة من العجز فلا ترامب قادر على ضمان الاستفراد بقرارات ودور الأمم المتحدة، ولا القوى الأخرى المنافسة، تقدمت لملء الفراغ الذي تركه الانسحاب الأميركي.

الآن تجتمع الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها الواحدة والثمانين، وهي عاجزة تماماً، وقد تحولت إلى منبر عالمي لإلقاء الكلمات التي يشكو بعض المشاركين من زعماء العالم، إن الكلام لم يعد كافياً ولكن دون الانتقال إلى الأفعال.

نتذكر حين اتخذ الرئيس الأميركي قراراً العام 1988، بالامتناع عن منح الرئيس الراحل ياسر عرفات، تأشيرة لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة ما أدى إلى نقل اجتماعاتها إلى جنيف لتمكين الرئيس الفلسطيني من الحضور.

وماذا عن الآن؟ للمرة الثانية على التوالي، يرفض الرئيس ترامب منح الرئيس محمود عباس ووفد المنظمة، تأشيرات دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة التي عجزت عن تجاوز قرار ترامب بالرغم من أن مئة واثنين وخمسين دولة صوتت لصالح السماح للرئيس الفلسطيني بالحصول على تأشيرة دخول. ليس هذا وحسب بل عجز نحو مئة وستين دولة اعترفت بفلسطين عن تغيير قرار ترامب.

الذرائع الأميركية لا تستحق الذكر أو النقاش، فهي اجترار لموقف إسرائيلي من ملف مرتبات الأسرى والشهداء ولم يشفع للسلطة والمنظمة خطابها الذي لا يتوقف عن الالتزام بأوسلو، وتحقيق السلام على أساس قرارات الأمم المتحدة، ولم يشفع لها صمتها على كل ما تقوم به إسرائيل في الضفة إلا من إعلان مواقف سياسية نظرية.

يحصل ذلك، فيما يسمح لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ، المدان من الجنائية الدولية والذي يرتكب كل أنواع وأشكال الجرائم التي يندد بها العالم كله إلا الولايات المتحدة، بالذهاب إلى نيويورك، وهو يعرف أنه سيلقي خطابه في قاعة فارغة.

يذهب نتنياهو لكي يكرر ادعاءاته وأكاذيبه التي ما عادت تنطلي على أحد، ليوجه خطابه للناخب الاسرائيلي عسى أن يحقق شيئاً من تحسين فرصه، يذهب إلى نيويورك دون أن تتمكن أغلبية الجمعية العامة من منع صعوده لإلقاء الخطاب، ما يجري ربما يكون الفصل الأخير في كتاب الأمم المتحدة التي ستشهد في المرحلة القادمة إصلاحات هيكلية كثرت المطالبات بها وطال انتظارها.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد