تقرير: حين تصبح القطة معالجًا نفسيًا.. مبادرة تعيد الابتسامة لأطفال غزة
في خضم الحرب والنزوح وما خلفته من آثار نفسية عميقة على الأطفال، برزت مبادرة فريدة من نوعها في قطاع غزة تعتمد على التفاعل مع الحيوانات الأليفة كوسيلة للدعم النفسي والتخفيف من آثار الصدمات.
يقول الطبيب البيطري ممدوح أبو لبدة، مؤسس المبادرة، إن الفكرة انطلقت في مدينة رفح بتاريخ 11 أكتوبر/تشرين الأول 2023 كنقطة طبية بيطرية، قبل أن تتطور لاحقًا إلى برنامج متخصص للدعم النفسي للأطفال من خلال التفاعل المباشر مع الحيوانات الأليفة.
وأوضح أن المبادرة جاءت استجابة لما لاحظه الفريق من تعلق الأطفال بالحيوانات خلال فترات النزوح، فضلًا عن تنامي مشاعر الخوف والعدائية تجاهها لدى بعض الأطفال بعد مشاهد الحرب القاسية.
وأضاف أن المبادرة تسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الأطفال والحيوانات بطريقة آمنة وإيجابية، من خلال أنشطة تفاعلية تساعد على تنمية قيم الرحمة والتعاطف والمسؤولية.
وتستهدف المبادرة الأطفال دون سن الخامسة عشرة، مع إعطاء أولوية للأطفال المرضى والجرحى والأيتام والناجين من فقدان أسرهم.
وتشمل الأنشطة التفاعل المباشر مع القطط والكلاب والطيور والأرانب، وأحيانًا القنافذ، إلى جانب الرسم والتلوين والاستماع إلى نبضات الحيوانات والتعرف إلى طرق العناية بها.
#شاهد برنامج متخصص للدعم النفسي للأطفال في #غزة من خلال التفاعل المباشر مع الحيوانات الأليفة pic.twitter.com/6vrmE6Y6GZ
— وكالة سوا الإخبارية (@palsawa) June 5, 2026
ويؤكد أبو لبدة أن الفعاليات تُنفذ بإشراف أطباء بيطريين وبالتنسيق مع مختصين نفسيين، لضمان تحقيق الأهداف العلاجية والحفاظ على سلامة الأطفال والحيوانات على حد سواء.
وأشار إلى أن المبادرة حققت نتائج إيجابية ملموسة، حيث أظهرت ملاحظات الفريق والأهالي تحسنًا في سلوك الأطفال وزيادة شعورهم بالأمان النفسي، فضلًا عن تنامي روح المشاركة والعطاء لديهم.
ويستشهد محمد رأفت عويضة، والد الطفلة إنصاف، بتجربة ابنته قائلاً إن الطفلة كانت تنتظر موعد النشاط منذ ساعات الصباح، وأحيانًا تؤجل تناول الطعام حتى لا يفوتها.
ويضيف أن إنصاف كانت تعود من كل فعالية وهي تتحدث لساعات عن القطة التي تعاملت معها وكيف قامت بإطعامها ولمسها، معتبرًا أن هذه الزيارات أصبحت من أكثر اللحظات التي تنتظرها بشغف.
أما محمد زعرب، والد الطفلة ريم، فيقول إن ابنته أصبحت تطلق على نفسها لقب "الدكتورة ريم" منذ مشاركتها في إحدى الفعاليات وسماعها نبضات قلب قطة للمرة الأولى.
ويوضح أن التجربة انعكست على سلوكها بشكل واضح، إذ باتت أكثر اهتمامًا بالحيوانات وأكثر هدوءًا وتعاونًا مع إخوتها داخل خيمة نزوحهم.
ورغم النجاحات التي حققتها المبادرة، يواجه القائمون عليها تحديات كبيرة، أبرزها النقص الحاد في الحيوانات الأليفة نتيجة الحرب، وشح الأدوية والمستلزمات البيطرية، إلى جانب محدودية التمويل وصعوبات التنقل بين مناطق القطاع في ظل الظروف الأمنية المعقدة.

ويطمح فريق المبادرة إلى توسيع نطاق عمله مستقبلًا عبر إنشاء ملجأ دائم للحيوانات وتشكيل فرق ميدانية في مختلف محافظات غزة، بما يتيح الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأطفال المحتاجين إلى هذا النوع من الدعم النفسي.
ويختتم أبو لبدة رسالته بالتأكيد على أن الدعم النفسي للأطفال في غزة لم يعد ترفًا، بل ضرورة ملحة لمساعدتهم على تجاوز آثار الحرب وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وأملًا.
وقدّرت منظمة UNICEF أن 100% من أطفال قطاع غزة باتوا بحاجة إلى خدمات الدعم النفسي والاجتماعي نتيجة الحرب وما رافقها من قتل ونزوح وفقدان للأقارب والمنازل.
ذكرت اليونيسف في عدة تقارير نشرتها عبر موقعها الرسمي أن عدد الأطفال المحتاجين إلى دعم نفسي واجتماعي يتجاوز مليون طفل، وهو ما يعادل تقريبًا جميع أطفال القطاع.
وبحسب اليونسيف، فإنه وقبل الحرب الحالية، كان أكثر من 500 ألف طفل في غزة بحاجة إلى خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، أما بعد الحرب فقد أكدت اليونيسف أن كل طفل تقريبًا تعرض لحدث صادم أو أكثر.
